حاجة ترامب والسعوديّة والإمارات إلى "هدوء" مع إيران!
Smaller Bigger

تساءل الكثيرون في العالم عن السبب الذي دفع رئيس الولايات المتّحدة دونالد ترامب إلى زيارة أفغانستان الأسبوع الماضي. صحيح أنّه احتفل هناك بعيد الشكر وصحيح أنّه أراد بذلك إعطاء مُواطنيه الانطباع بأنّه يهتمّ بجيشه المُنتشر منه فيها 16 ألف جندي، والتأكيد للحكومة الأفغانيّة استمرار اهتمامه بمساعدتها لمواجهة "حركة الطالبان" ومقاتليها الذين حقّقوا نجاحات كثيرة على حسابها في السنوات الأخيرة. لكنّ الصحيح أيضاً استناداً إلى معلومات جهات ديبلوماسيّة – سياسيّة إقليميّة ودوليّة أنّ ترامب يعرف أن "الطالبان" ستُسيطر عليها كلّها فور انسحاب أميركا منها ويريد توفير انسحاب آمن لجنودها. ولتحقيق ذلك كلّه يحتاج إلى إيران التي أغرقها بالعقوبات القاسية بعد سحبه بلاده من "الاتفاق النووي" الموقِّع معها، وتوعَّدها بجلبها إلى طاولة التفاوض معه بشروطه، إذا بقيت على عنادها. أمّا حاجته إليها فتنبع من علاقتها الجيّدة مع "الطالبان" ومع "الهزّارة" الشيعيّة في أفغانستان ومن نفوذ قليل لا يزال لروسيا فيها. لكن ترامب يريد إضافة إلى ذلك توظيف الانسحاب العسكري من تلك البلاد في حملته الانتخابيّة الرئاسيّة. وفي هذا المجال لا بُدّ من الإشارة إلى أنّ إدارة ترامب بدأت مفاوضات مع "الطالبان" في دوحة قطر في النصف الأوّل من السنة الجارية لكنّها لم تُثمر لاعتراض الرئيس الأفغاني عليها كونه لم تشمله وحكومته. لكنّها استؤنفت بعد ذلك وأثمرت اتفاقاً من دونهما. لكن ترامب أعلن وقف التفاوض مُتذرّعاً بعمليّة نفّذتها طالبان في كابول وأسفرت عن قتلى وجرحى بينهم أميركيّون. لكنّ المُعطيات المتوافرة الآن تشير إلى عودة واشنطن و"الطالبان" إلى الطاولة في الدوحة أو ربّما إلى عودة وشيكة لهما إليها. وهذا أمر لا يُفاجئ "الموقف هذا النهار" الذي سمع من مسؤولين أميركيّين قبل عامين: "أن "الطالبان" سيُسيطرون في النهاية على أفغانستان". هل يتحقّق ذلك أم تعوقه تطوّرات سلبيّة إيرانيّة أو أفغانيّة أو داخليّة أميركيّة؟ لا أحد يعرف تُجيب الجهات الديبلوماسيّة والسياسيّة الإقليميّة والدوليّة نفسها. لكنّها تُلفت إلى أمر آخر هو أنّ الحاجة إلى تفاهم مع إيران الإسلاميّة ليست أميركيّة فقط، بل هي أيضاً حاجة مُلحّة إلى حليفين مُهمّين لأميركا في الشرق الأوسط العربي هما المملكة العربيّة السعوديّة ودولة الإمارات العربيّة المتُحدةّ. علماً أن دولاً أخرى فيه تشعر بالحاجة نفسها. فالأولى تسلّمت قبل أيّام رئاسة "مجموعة الـ 20" الدوليّة ومدّتها عام واحد في نهايته يعقد اجتماع قمّة على أرضها تُدرس فيه قضايا عدّة مُهمّة لأعضائها وللمنطقة والعالم وتُسلَّم رئاستها عند انتهائها إلى دولة أخرى عضو فيها. وهي في حال حرب مباشرة منذ عام 2015 مع الحوثيّين في اليمن وفي حال حرب غير مباشرة مع إيران نفسها فيه أيضاً بسبب دعمها غير المحدود ولهؤلاء سياسيّاً وماديّاً وتسليحيّاً وتدريباً. علماً أنّها أيضاً في حال حرب غير مباشرة مع إيران في الخليج كلّه (قطر مثلاً)، وفي لبنان حيث لحليفها الأوّل "حزب الله" نفوذاً كبيراً. وفي العراق المُحاذي لها جغرافيا حيث لإيران أيضاً نفوذ مباشر سياسي واقتصادي وعسكري ولكن غير آحادي، جرّاء وجود أميركا فيه إلى جانبها وعدم استعدادها إلى التخلّي عنه لها. في هذه الحروب كلّها لم تُحقِّق السعوديّة أهدافها في حين حقّقت إيران بعض أهدافها عندما نجح الحوثيّون بمساعدتها أوّلاً في منع المملكة وحلفائها من الانتصار في حرب أعلنوها عام 2015 على هؤلاء وكانوا يظنّون أنّهم سينتصرون فيها خلال أشهر. وثانياً عندما نجحوا في استهداف منشآتها النفطيّة ومطاراتها ومُدنها بالصواريخ والطائرات المُسيّرة. وهي لا تريد استمرار ذلك لأنّه يُهدِد رئاستها لمجموعة الـ 20 ويُضعف دورها الذي تعمل لكي يكون دوليّاً، ولأنّه يُهدِّد نجاح عملية الاكتتاب الدولي في سندات شركة "أرامكو" التي بدأت باكتتاب محلّي ومؤسّساتي في المملكة أخيراً. ولهذا السبب بدأت مساعٍ غير مباشرة بين الرياض وطهران بواسطة عُمان الأمر الذي يُفسِّر وقوف إطلاق الصواريخ منذ مدّة. وفي هذا المجال تقول الجهات نفسها أنّ الحاجة السعوديّة إلى هدوء مع إيران أو "سلم" تشعر بها الإمارات أيضاً لأنّها شريكة في حرب اليمن مع المملكة وكانت فاعلة فيها، ولأنّ الصواريخ الحوثيّة (الإيرانيّة) قد تستهدفها. وذلك يسبّب لها خراباً أوسع من خراب السعوديّة لأنّ جغرافيّتها أصغر وبكثير وهذا أمر لا تحتمله. لكنّها لا تحتمل أيضاً أعمالاً تخريبيّة (صاروخيّة أو غير صاروخيّة) تُهدِّد معرض "إكسبو 2020" الذي تعدّ له منذ سنوات، والذي كلّفها الكثير ماديّاً ولا يزال، والذي تعتمد على دوليّته لتكريس نفسها لاعباً مُهمّاً ليس في الشرق الأوسط فحسب بل في العالم كلّه. ولهذا السبب انسحبت من اليمن قبل أشهر وأجرت اتصالات مع إيران. ويُقال أنّ لقاء وليّ عهدها مع وليّ العهد السعودي على أرضها أخيراً كان ذلك أحد أهم أهدافه.