الثورة جمعت الناس وأسقطت القلق النفسي والخوف في الشارع
Smaller Bigger

ذكّرتنا الأيام الـ ٤٥ الأخيرة في لبنان بعلاجات القلق ومعانيه المختلفة، ولو أن مفهومه الطبي يبقى على حاله. في حين أنّ اللحظات الثوريّة قد أيقظت أحلام آلاف الناس الذين اعتقدوا بأنّهم قد تركوا أحلامهم خلفهم. ولا شك في أن هذه اللحظات سمحت لنا بركوب موجة تختلط فيها مشاعر الخوف والأمل والغضب والإحباط والمتعة والقلق والتفاؤل والشّك والوحدة. فالتغيرات المفاجئة أو بالغة الحّدة تعطّل روتيننا تلقائياً، كما وتُسبب التوتر والقلق. وقد بدا لافتاً لي أثناء استماعي لتجارب الناس الذين عانوا لفترة طويلة من القلق والاكتئاب أن أسمع شيئًا جديدًا. فقد سمعت مثلًا مرضاي وهم يصفون روايات جديدة، وكنت أصغي إليهم عن كثب وهم يصفون كيف ساعدتهم الثورة في كسر الحواجز العاطفيّة والذاتيّة التي لم يتخيّلوا كسرها يومًا. هذه الحواجز التي لطالما حاولوا جاهدين تخطيها لسنين طويلة على المستوى الشخصي. ولكن كيف حصل هذا التغيير؟

في الأسابيع القليلة الماضية، ردّدت الشوارع والمنافذ الإعلاميّة على مسامعنا شعارات "يسقط القلق/ يسقط خوفنا" الذي سرعان ما تبدّل إلى "سقط خوفنا"، إشارةً إلى إحداث التغيير، إلى جانب شعارات اعتدناها كـ "تسقط الطائفيّة"، كذلك تراءت أمام أعيننا كتابات وتصويرات فنيّة ملأت الساحات بهذين الشعارين.

ويعني الفهم الأولي لهذه الشعارات بأنّ الخوف الذي رسّخته الذاكرة الجماعيّة من الآخر قد تبدّد بعد أن راكمته الحرب الأهليّة في عقول اللبنانيين، فجعلت الصدمة تتخطى الأجيال التي عايشتها إلى أجيال تشهد على أثرها. ويشيرهذا الفهم إلى خوفٍ من نوع آخر: قطع الحبل السُّري الذي يربطنا بزعمائنا السياسيين، والبدء بالتعبيرعن أنفسنا بحريّة من دون خضوع أو تبعية. ولكن ليست هذه الحواجز والمخاوف وحدها كُسرت، فالعديد من المرضى والأشخاص في الشوارع حطّموا حواجزهم الداخليّة التي وقفت بينهم وبين قدراتهم. فالبعض منهم ممن يعانون القلق الاجتماعي (social anxiety) يَهابون المكوث طويلًا وسط الحشود، هم أنفسهم اليوم من يتظاهرون في الشوارع ويلاحظون مدى انسجام شركائهم في الوطن باستعادة ساحاتها وكيف يتجولون فيها بثقة وراحة نفسية، وهذا ما جعلهم يتصالحون مع أنفسهم. فقد واجهوا حقيقة جديدة حين تحولت هذه المساحات العامة للشعب، وشعروا بانفتاح عميق على الذات سهّل عليهم الانخراط والتفاعل الذي تزامن مع فتح الأماكن العامة في مختلف المناطق اللبنانيّة. أمّا الذين كانوا يشعرون بأنّ الضغوط، حتى الصغيرة منها، كانت تؤجّجهم وتهدّد أمانهم، فشعروا اليوم بأنّ الموضوع لم يعد مرتبطًا "بحفظ الذات" (self-preservation) فتعزّز لديهم الشعور بالأمان نتيجة الوحدة الوطنية والتضامن.