.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
منذُ نحوَ ألفَين وخمسِمائةِ سنةٍ والفُرسُ طرفٌ أساسيٌّ في غالِبيّةِ حروبِ وثوراتِ فينيقيا والشرقِ. إمبراطوريّةٌ عظيمةٌ طبعَت العالمَ قبلَ المسيحيّةِ والإسلامِ وأعادت اليهودَ إلى أورشليم بعدَ سَبي بابل. تَنوّعت علاقاتُ الفرسِ بالفينيقيّين بين: احتلالِ فينيقيا أو العبورِ فيها أو التفاوضِ معها أو إجبارِهم على القتالِ معهم ضِدَّ بلادٍ أخرى. ولـمّـا أَصبح الصراعُ الفارسيُّ/الإغريقيُّ استراتيجيًّا (كحالِ الصراعِ الإيرانيِّ/الأميركيِّ) ابتداءً من سنةِ 547 (ق.م.) تَعذّر على الفينيقيّين التزامُ سياسةِ الحيادِ الإقليميّ. فَرضَ الفرسُ على الفينيقيّين المشاركةَ في حروبِهم ضِدَّ الفراعنةِ والإغريقِ والبابليّين. فاستُشهدَ ألوفُ الفينيقيّين في حروبِ الآخرين، وأُحرِقَ أسطولُهم البحريُّ، واحتُلَّت مدائنُهم، وانقَسَموا حِيالَ المحتلِّين.
أذعنَ الفينيقيّون للفرسِ إلى أنْ ساءت الحالةُ الاقتصاديّةُ والتجاريّةُ في المدائنِ الفينيقيّةِ ومستعمراتِها في البحرِ المتوسّط، فانتشَر الفَقرُ والجوعُ، وحَصَلت عمليّاتُ تَمرّدٍ شعبيٍّ ضِدَّ ملوكِ المدائنِ الفينيقيّةِ الّذين انحازوا إلى الفُرسِ من أوغاريت شمالًا (رأس شمرا السوريّة حاليًّا) حتّى صيدا وصور جَنوبًا. طالب الشعبُ بتحييدِ مدائنِه وسفنِه والامتناعِ عن الحروبِ لأنّه ضاق ذَرْعًا بالنفوذِ الفارسيِّ. انتفَض الفينيقيّون في مدائنِهم وثارَ أهلُ صَيْدون سنةَ 353 (ق.م.) على أَرْتَـحْشَشْتا الثالث، ملكِ الفُرس، وأَقدَم مَلِكُ صيدون، تَـبْـنيت (Tabnit)، على قتلِ حاكـمَين فارسيَّين (Satrapes). أغاظَ الموقفُ الفينيقيُّ الشجاعُ أَرْتَـحْشَشْتا، فقاد بنفسِه سنةَ 348 (ق.م.) حملةً عسكريّةً لإخضاعِ صيدون المتمرِّدة. انتظر الصَيْدونيّون وصولَ دعمٍ مِصريٍّ فلم يأتِ. ورغم ذلك، رَفضوا الاستسلامَ للفرسِ وأَحْرقوا مدينتَهم وارْتَمَوا في نيرانِها مع كنوزِهم. عسى ألّا نَحرُقَ لبنان...
ليس التاريخُ ما يعيدُ نفسَه، بقدْرِ ما الشعوبُ تعيدُ أخطاءَها من دونِ الاتّعاظِ من التاريخ. فالتاريخُ ليس سلطةً، هو معلّـمٌ يُسجِّل مآثرَ الشعوبِ وأخطاءَها. يَقرأ مسابقاتِها ويُعطيها العلامةَ التي تَستحق، والعلامةُ هنا هي: المصير. أَنَسألُ بعدُ لماذا بَلغْنا، نحن اللبنانيّين، هذا المصيرَ طالما لم نَتعلَّم من التاريخِ شيئًا منذ ألوفِ السنين؟ أجدادُنا الفينيقيّون ـــ وهذا نَسَبٌ اختياريٌّ ـــ مَعْذورون، فالفُرسُ فَرَضوا عليهم بالقوّةِ أن يَشتركوا في حروبِ الآخَرين، أمّا نحن فنَتهافَت تحت تأثيرِ العصبيّاتِ الدينيّةِ والمذهبيّةِ والإيديولوجيّةِ للمشاركةِ تلقائيًّا في حروبٍ، داخلَ حدودِنا وخارجَها، ضِدَّ مصالحِ لبنانَ العليا والدنيا.