.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
رزقنا ابني في لندن، أجمل وأطول محطات الترحل. وعندما صار في الخامسة أو السادسة جاء يسألني، بكل هم واهتمام وجديّة، ما هو رأيي في مسألة "ثقب الاوزون". بماذا أجيب، إذا قلت إنني لا أعرف عن الموضوع سوى ما تردده نشرات الأخبار؟ سوف أبدو أمامه جاهلاً. وإذا ادّعيت المعرفة، سوف أبدو شديد الجهل. وتجنباً للهزيمة حوّلت الموضوع الى دعابة، وقلت له: "عندما كنت في مثل سنك كان عندي بلبل خشبي مخروط الشكل. وكان له خيط يلف به، نضربه في حفرة على الأرض كي يدور مثل مغزل الى ان يقع. وكان الفائز البطل من يحقق أطول مدة من دوران البلبل".
عندما عدنا الى بيروت كان نصري قد أصبح في عمر الجامعة الاميركية وبين المتفوقين فيها. وهذه المرة جاءني بسؤال أشدّ صعوبة من الأذى الذي يلحقه الانسان بقشرة الكون: يريد أن يعرف لماذا لا يستطيع ابن الثامنة عشرة ان يقترع في لبنان، بينما قبل في احدى أهم الجامعات، وهو في السابعة عشرة؟
راعني مشهد الثورة في تشرين. شباب دون الثامنة عشرة، أو فوقها بقليل، يكشفون تخلفنا الاجتماعي والسياسي. الإبن الشاب يعرف أكثر من أبيه، شجاع أكثر منه، ولا يمكن ان يتساهل، مثله، في مصيره ومصير أولاده وقدسية ترابه. لا أحب استخدام الكلمات المبالغة ولا تكرار الكلمات الفارغة، لكن هل من صفة أخرى للأرض؟
كأنما باتفاق مسبق رفعوا قضية أولى: لا نريد أن نهاجر. ومن لم يلحظ هذا الشعور الجامع الجامح في بدايات هذه النهضة الوطنية، اكتشف مدى عمقه عندما دعا الرئيس ميشال عون المعترضين الى الهجرة، وقد أدرك الرئيس فوراً الأثر الذي تركته اللهجة الغاضبة، فجرى تصحيحها، لكن بغير فائدة، بدل الغائها والعودة عنها. فالاعتذار الى الشعب عن خطأ عرضي، كبرياء للفريقين، الناس والرئيس. هكذا تضاعفت الهفوة وتسببت في تمدّد الحريق.
المشكلة ان الذين حول الرئيس لم يعوا منذ اللحظة الأولى، سر الثورة. وهذا كان في كلمة واحدة: الإهانة. لقد اعتقدوا انها مسألة عد واحصاء. تصغير الرقم يحجِّم القضية. في التشيلي سارع رئيس الجمهورية الى الاعتذار، وكذلك فعل رئيس الوزراء في براغ. مليون أو نصف مليون بشري في الشوارع، لا تعود مسألة سجل نفوس. المسألة من الاساس هي الالتقاء مع هذا الجيل الذي يحكي لغة جديدة ويدعو الى الخروج من المنطق البالي الذي يتحدث اصحابه لغة غير مفهومة مثل أهل بابل. هذا الجيل الرائع يريد الخروج من لعنة بابل ومن ادران الطائفية والعنصرية ومن لغة الصفقة وثقافة الصفقة وسلطة الصفقة. التجار ليسوا مثاله ولا خلاصه.