الانحدار نحو الديكتاتوريّة
Smaller Bigger

يعيش لبنان فترة من الانعتاق من التبعية لزعماء بددوا أفضل ما حققه بلدهم منذ الاستقلال، اي النظام الاقتصادي والمالي الحر الذي كانت تشوبه اخطاء تفشي السيطرة الاحتكارية لبعض المؤسسات التجارية الكبرى.

السيطرة الاحتكارية بدأت تتفكك مع احتلال بلدان كإيطاليا، ومن ثم اسبانيا، فالصين وكوريا، وقبلهما اليابان، مواقع هامة في مجالات التجارة العالمية، فأصبحت سيارات "

الهوندا" منافسة للسيارات البريطانية مثل "الجاكوار"، وكانت السيارات الالمانية حققت تقدمًا أصبح ملحوظًا منذ الثمانينات، وما حدث في مجالات تسويق السيارات تفشى في مجالات أخرى سواء منها الالبسة، المأكولات، السياحة، النشاطات المالية الخ.

قواعد احتكار المنتجات والخدمات (مثل شركات التأمين) تبعثرت وأصبح لبنان، نتيجة طبيعته المستندة الى الاستيراد، السوق الاول لمختلف المنتجات، وتولّى دورًا في الترويج على نطاق اقليمي، وكانت هذه الحالة على تطور ما بين 1952 و1973 تاريخ تفجر العلاقات اللبنانية - الفلسطينية نتيجة محاولة ياسر عرفات التحكم بالقرارات اللبنانية المصيرية ولسوء الحظ حقق بعض النجاحات في هذا المضمار إلى حين انسحابه وقواته من بيروت اوائل خريف 1982.

بعد التوصل الى اتفاق انهى الحروب اللبنانية الفلسطينية السورية في لبنان، تحولت قوى السيطرة الاحتكارية الى الاحزاب السياسية، ولا سيّما منها تلك التي تآزرت مع القوات السورية التي تحكمت بالقرارات والتوجهات المالية في لبنان منذ اوائل التسعينات، ومنذ ذلك التاريخ وبسبب تضارب المصالح والاهواء توسع دور القطاع العام، ونتج من ذلك التحكم بالمنافع غير الشرعية. لكن الوضع اللبناني عانى انحدار سعر صرف الليرة ما بين 1984 (4 ليرات لبنانية للدولار) وأيلول 1992 (2850 ليرة للدولار) مع ما استتبع ذلك من تضخم، خصوصاً مع اقرار زيادات معاشات موظفي الدولة بنسبة 60 في المئة عام 1991 والتي كانت بالفعل موازية لـ120 في المئة بعد احتساب وقع الزيادة على تعويضات نهاية الخدمة.

يمكن تسمية عقد التسعينات والعقد الاول من القرن الحادي والعشرين عقدي تضخم القطاع العام واستئثاره بالنسبة الكبرى من مكونات الدخل القومي، واسهم في هذا الامر توسع اعمال اللبنانيين في الخارج، سواء في دول الخليج، القارة الافريقية وعدد من البلدان الاوروبية. وبقيادة المصرف المركزي، ترسخت قواعد العمل المصرفي وارتفعت رؤوس أموال المصارف ودمجت مصارف عدة في 37 عملية دمج وقرر شركاء تصفية 7 مصارف، واستمر التوسع المصرفي حتى عام 2016 عندما برزت مشاكل لدى بعض المصارف نتيجة الاسراف في التسليف والتوسع. ومنذ ذلك التاريخ وسلطات المصرف المركزي تسعى إلى تعزيز أوضاع المصارف وزيادة تدفق الودائع، وهذا المسعى الاخير لم يؤت النتائج المرجوة، وباتت ودائع المصارف في لبنان أقل مما كانت ولولا وجود مصارف لبنانية في الخارج لكانت نسب الانخفاض أوسع.