الخطر الزاحف: الاهتراء!
Smaller Bigger

على اهمية المشهد الوحدوي الذي عاشه لبنان البارحة في يوم تشييع الشهيد علاء ابو فخر فان ذلك لن يبدد مخاوف متعاظمة لم يعد يجدي إنكارها من خطر الاهتراء الذي بدأ يعتري الواقع اللبناني برمته سواء من الجانب المتصل بالشارع الثائر او من جهة الازمات المتصلة بواقع دولة تتهاوى. والحال ان شهرا كاملا منذ اندلاع انتفاضة الاحتجاجات اللبنانية اثبت حالا استثنائية في هذه البقعة من العالم التي وان كانت تتشابه مع ثورات وانتفاضات اخرى فانها حافظت على خصوصيات شكلت عوامل اطمئنان لدى اللبنانيين الى ان البلد لن ينزلق الى استحضار العنف والشغب والانقسامات. ومع مرور شهر على الانتفاضة بدأت تتمظهر ملامح خطرة لا يمكن طمر الرؤوس في الرمال حيالها لان وتيرة تداعياتها ستضحي اسرع من مراحل انطلاقتها وتطور المواجهة بينها وبين السلطة بلوغا الى الصدام المباشر مع رئيس الجمهورية عقب المقابلة التلفزيونية الدراماتيكية في مضامين مواقف الرئيس عون فيها. فاذا كان من مكاسب الانتفاضة الاساسية ان الطابع السلمي ظل مصانا طوال الشهر الاول من عمرها فان الموجة الاخيرة من الاحتجاجات والتعبير الرافض بمعظم وجوهه شابته معالم انزلاقات الى ممارسات سرعان ما اعادت نبش الذاكرة اللبنانية في نقطة ضعفها حيال تجارب الحرب. طبعا سيكون امرا ظالما بل مشبوها ان تلصق انتفاضة بهذا الحجم وبهذه السلوكيات الحضارية السلمية على مدى شهر بأحكام معممة جراء سلوكيات فردية او على ايدي جماعات داخل صفوف المحتجين. وهنا ايضا لا تصح أحكام التعميم الشمولي من مثل "كلن يعني كلن". ولكن تبرير انتكاسات او أخطاء او ممارسات ذات طابع عنفي لن يصمد طويلا اذا تكررت ممارسات من نوع ما حصل في ظهورات مسلحة او اقامة جدران اسمنتية او بالاخص المعاندة غير المجدية بل المؤذية والمنذرة باشعال اضطرابات في اي لحظة جراء اقفال الطرق وتقطيع أوصال البلاد من اقصاها الى اقصاها وشل الحياة العامة لمدة اطول في وقت تنازع فيه البلاد البقاء على شفير انهيارات مالية واقتصادية وإفلاسات لم تعرفها في تاريخها الحديث. حتى لو امتلك المنتفضون كل الحقوق والمبررات الأخلاقية والواقعية للمضي في الضغط التصاعدي على بقايا سلطة تنازع الانهيار فان الاهتراء الآخذ بالتصاعد على نحو مخيف سيوجب اعادة نظر جذرية في السلوكيات الاحتجاجية لجهة التصرف حيال المجتمع وليس حيال السلطة. ان لم تحصل مراجعة سريعة تقترن بممارسات احتجاجية فعالة ومرنة فان خطر الاهتراء سيتحول الى العدو الاول للانتفاضة التي يراهن سائر اعدائها الداخليين على عامل الوقت لإجهاضها وإسقاطها باي وسيلة ولا سيما من خلال الرهان على الإضطرابات الاهلية كما بدا واضحا في الايام الاخيرة. واذا كان الرهان الوحيد الباقي للجم الاهتراء يبقى على حكومة جديدة تحتوي الازمات المتناسلة المصيرية التي تهدد لبنان كما لم تفعل الحروب والاحتلالات في السابق فلا غرابة ان يجد اللبنانيون انفسهم في هذه اللحظة امام انعدام اليقين حيال مرحلة انتقالية باتت المخاوف من انزلاقاتها واهتراءاتها تغلب على الآمال المعلقة على الانتفاضة الشعبية لتحقيقه ما لم يبرز ما يبدد هذه الوقائع بأقصى سرعة.

[email protected]