تعديل لليوم التالي... فوراً!
Smaller Bigger

لعل اللبنانيين بغالبيتهم الساحقة لم يتنبهوا الى ان يوم البارحة صادف الذكرى الثلاثين لانعقاد مجلس النواب في قاعدة القليعات في 5 تشرين الثاني 1989 وتصديقه على وثيقة التعديلات الدستورية التي انبثقت عن اتفاق الطائف. مناسبة تأتي في ظروف كان يستحيل تخيلها بعد ثلاثة عقود من بدء سريان الميثاق والدستور اللذين كان يفترض ان ينقلا لبنان الى دولة حقيقية وطبيعية لا اكثر فاذا بنا نحيي الذكرى الثلاثين للطائف ونحن في خضم ثورة وغليان وغموض مخيف لا افق له كأننا نتوسل استعادة أسطورية لمقولة ان لبنان على موعد دوري كل عشرين او ثلاثين سنة مع حرب او اضطرابات. لن ننجر وراء الموروث من التجارب التي تجعل رؤيتنا الى مجريات الحدث الحالي مشوبة بالمعايير النمطية اذا صح التعبير. ولكن ذلك لن يحجب في المقابل حقائق لا بد من مقاربتها في ظل هذا التزامن بين الذكرى الثلاثين لابرام الطائف دستوريا والنبض التغييري الصاعد من خلال انتفاضة 17 تشرين الاول. لا جدل في ان ان هذه الانتفاضة وحدها تشكل الدليل القاطع على المدى الذي بلغته عقود ثلاثة من امتهان الاصول الدستورية وانتهاكها وتدمير المنطق الدستوري السوي سواء في ظل واقع احتلالي شكلته الوصاية السورية بكل معالمها المدمرة او بعد انسحاب قواتها ومخابراتها من لبنان وما أعقبه من مد وجزر في وقائع الحقبات الداخلية اللاحقة. لن يكون متاحا للبنانيين في المدى المنظور، ووسط الغبار الكثيف الطالع من المشهد المثير لكل الاحتمالات المتناقضة حاليا، اعادة نظر هادئة وعميقة في “محاكمة” الطائف على قاعدة الفصل بين النص ومضامينه والممارسات وبشاعة ما احدثته في تشويه النص والاصول الدستورية كلا. ولكننا نزعم في هذه العجالة بان افضل ما يواكب الانتفاضة الحالية هو اعلاء المناداة بالدولة المدنية العابرة لكل الآثام والأخطاء والخطايا والارتكابات والفضائح والجرائم المعنوية والمادية المتمادية في حق المواطن اللبناني الذي خلع في 17 تشرين الاول الماضي لباسه الطائفي والمناطقي وقرر ان يصدح بصوت المناداة بالحق في الدولة الحديثة المدنية في تطور مذهل. نقول هذا من منطلق التمسك بأثمن ما احدثته هذه الانتفاضة حتى الساعة ولكن ايضا من منطلق تنبيه ابناء الانتفاضة اولا وأخيرا الى ان الحق وحده لا يحمي المكاسب والإنجازات كما ان في انتفاضة اكتسبت هذه الدلالات التاريخية لا يعود يصح مبدأ الغاية تبرر الوسيلة. ان الطالع من الايام والأسابيع والأشهر على لبنان غامض ومقلق الى درجة لا يمكن معها المقارنة بأي حقبات سابقة ولن تكفي الانتفاضة جمع كل مفردات العالم للعنة الطبقات السياسية اذا هي بدأت ترتكب الاخطاء القاتلة وتقدمها هدية نفيسة لمن تهدف الى تبديلهم ومحاسبتهم وإقامة الدولة الصحيحة السوية مكانهم. لذا سيتعين على الانتفاضة ان تراجع بأسرع ما يمكن والآن فورا خطة اليوم التالي الذي يتعين عليها ان تتيقظ من خلاله الى الأفخاخ والمتسللين والخطط التي تستهدف اسقاطها وإجهاضها وضربها من خلال تحويل قطع الطرق الى فتنة أهلية. ثمة الكثير المذهل تحقق بسرعة هائلة فاحذروا احراقه بخطأ تاريخي!

[email protected]