ثلاثية الخوف على الحراك والمخَاوِفِ مِنهُ والتَخَوُّف منْ تَفخيخِهِ!
Smaller Bigger

يَفرِضُ المَشْهَدُ الشَارِعِيُّ والشَعْبِيّ الرَّاهِنُ والواسعُ في لبنان، حُضُورَه الفعليَ والاستثنائيَ على الوجدانِ اللُّبنَانِيِّ العام بكُلِّ فِئاتِهِ وأَطْيَافِهِ وطَوائفِهِ وطَبَقاتِهِ المُجتَمعيَّةِ وكاملِ المُستَوياتِ الفَهمِيَّة التي تتَشَكَّلُ منهاِ التَركيبةُ اللبنانيّةُ بأَبعَادِها الحَضَارّيَّة والثقافيةِ والمذهبيّةِ، والتي لمْ تَرقَ بعدُ للتحَوّلِ من رُتبَةِ (مُجْتمَعٍ مُرَكَّبٍ) الى مَرتَبةِ (مُجتمعٍ انصهاريِّ) تتَكاملُ فيه الطوائفُ والثَقافاتُ، بِكُلِّ خُصوصيَّاتِها وامتيازاتِها، على قاعدةِ التشاركيَّةِ والتضامنِ المَصيريِّ الحَتميّ.

مِنْ حَقِّ لبُنَانَ الجَريحِ، عَلى كُلِّ أَبنائِهِ، أَنْ يَقولوا كَلِمَتَهم ويَرفَعوا ِرَأْيَهُمُ في ما يَحْدُثُ، انْطِلاقاً من صَراحَة التزامِهم وصِحَّةِ انتِمَائِهم، وواجِبِهم الإنسانِيٌّ، وواجبهم الوطني، فَضلاً عن وُجوبِ التَخَلُّقِ بالقِيَمِ والتأَدُّبِ باللَّفْظِيَّاتِ، والتَحَصُّنِ بالمَعَارِفِ التي تُمكِّنُهم مِن قَوْلِ الكلامِ الفَصْلِ، متى كان مصيرُ الوَطَنُ على تقاطُعاتٍ ومَفارِقَ مَصيرِيَّةٍ مَحفوفةِ بِمخاطِرِ المؤامرات وأخطارِ المُغامرات، التي َغالباً ما تَختَبئُ خَلفَ شِعاراتٍ ومطالِب َوصُراخاتٍ مُحِقَّةٍ، ترتسم بقوًةٍ في أُفُقِ كلِّ قولٍ أوْ فِعْلٍٍ أو تَحَرُّك إحتجاجِيٍّ لهُ مُبرّراتهُ واسبابهُ ودوافعُه الصريحةُ والواضِحة،..! والخارجَةُ من عُمْقِ المُعَاناة ِفَهلِ الثَوْرَةُ، هي ضِدُّ السُلطَة بالمُطْلَقِ، أمْ أنَّها ضِدُّ مَنظومَةِِِ الفسادِ والهَدْرِ والسَرِقَةِ والنَهْبِ المُستَدَام..؟ أمْ أنَّها ثَوْرَةٌ لها أَجَندَتُها المَطلَبيَّةُ وبَرنَامَجُها الإنْقاذِيُّ وإستراتيجيّتُها الإصلاحِيّٕةُ..؟

حتّى الآن رأينا وسَمِعنا شِعاراتٍ سياسيّةً مُحِقَّةً وصرخاتٍ مطلبيَّةٍ لها صداها العميق، وخَدَّشَتْ أََذواقَنا لَفْظِيَّاتٌ وسِبابٌ وشَتَائِمٌ، لَيْسَتْ مِنْ أَخْلاقِِ الثَورةِ ولا تُشبِهُ أبَداً النِيَّاتِ القَصْدِيَّةَ التي إنطَلَقَتْ مِنها بدَافعٍ وَطنيِّ صادِقٍ مَبنِيٍّ على جُروحٍ وأوجاعٍ ومآسٍ، كانَ من المُفيدِ أن تَصِلَ إلى أَسْماعِ أَهلِ السُلطَة ِ وكُلِّ مَنْ تَعَاقَبَ على مسؤوليَّةِ القَرارِ في لُبنانَ، من َمَسؤولينَ مَدَنيِّينَ أَوْ مِن مَسؤولين ومَرْجَعِيَّاتٍ روحِيَّةٍ، لا تَقِلُّ ٍمَسؤوليتُهم عن أي مسؤوليَّة لِلسُلطاتِ الرَسمِيَّةِ الحاكِمَة. أوَليسَتِ المَرجَعِيَّاتُ الدينِيَّةُ سُلطَة قائمة بذاتها، ِوشريكةً بإدارةِ شؤونِ الأَرواح على الأرض وما بعدها؟

خوفي الأول، أن تنجحِ الثورة، ولا يكون لها برنامج إنقاذي ثورويّ يستحقِّهُ لبنان، ويستجيب ُلانتظاراتِ الناس، ويُلاقي الشعارات الجيّدة التي رُفِعَتْ وصَدَحَتْ ِفي ساحاتِ الإعتصامِ وميادين ٍالإعتراضِ، التي اتَّصَفَتْ بعقلانيّةٍ هادئَة وممايزَةٍ، طَبَعَتْ الحَراكَ الثوريَّ بشَحْنَاتٍ من الإندفاعِيّةِ والتَفَاعلِ الشعبي، شَكَّلَ عنصرُ الشبابِ عَمودَ بُنيانِه القائمِ على مُرتَكَزاتٍ صَلْبَةٍ ومُحِقَّةٍ، مَعْ تأكيد إعجابي العَميق وتقديري للشعاراتِ النبيلةِ والمواقف الرائعة التي أطلقها الشَبابُ اللبنانيُّ حول خَياراتِ الدولة المدنية وصراحَة العلاقةِ التكامليَّةِ والكِيانيّةُ بينَ الجيلِ الجديد، الذي كنتُ شَخصِيّاً أخافُ أن يأتيَ يومٌ تتباعَدُ فيهِ الأجيالُ، بحيث لا يَعْرِفُ فيهِ المَسيحيُّ شَيْئاً عَن الإسلامِ والمسلمينَ، ولا يعرفُ المُسلم شيئاً عن المسيحيّةِ والمسيحيين. السَاحَات أسقَطَتْ خوفي الكبير، فإذا بنا، نَحْنُ جيلَ مُعاناةِ حربِ الـ75، نَعتزُّ ونُفاجَأُ بمَنْسوبِ الوَعي الوطني والحِسّ العَلْمانِيِّ والمدنيّ والشُعورِ الوَطني الذي امتاز بهِ حَراكُ الشَبابِ بعقلانيّةٍ ووُضوحٍ رُؤيَةٍ وصَوَابيةِ رؤى، بخِلاف بَعْضِ الكلامِ التافِهٌ الذي نالَ من شَرفِ الثَورة ِوحَادَ بأخلاقيّاتِها عَنِ المقاصِدِ الشريفة والأهدافِ الساميةِ والتصرّفاتِ الراقية الواجب شيوعُها في ساحاتِ الإعتراض الراقية.