لن تهتم أميركا بلبنان ما دام "الحزب" مُمسكاً به!
Smaller Bigger

"حزب الله" مُقتنع بأمور ثلاثة في رأي مُتابعين داخليّين موضوعيّين له ولأوضاع البلاد وتشابكاتها المتنوّعة. الأوّل هو دور الولايات المتحدة في دفع حكومة الرئيس سعد الحريري إلى الاستقالة. والثاني دورها في تأجيج الاحتجاج الوطني الأكبر في تاريخ لبنان، واستعدادها لتثميره سياسيّاً لاحقاً على نحو يخدم حلفاءها اللبنانيّين ومصالحها الحيويّة والاستراتيجيّة في المنطقة. أمّا الثالث فهو دور المملكة العربيّة السعوديّة ودولة الإمارات العربيّة المتّحدة المُشابه للدور الأميركي بالصدفة أو بالتنسيق. وهو أيضاً على ما أكّد أمينه العام السيّد حسن نصرالله أخيراً يمتلك مُعطيات ثابتة عن ذلك. وهي قد لا تكون كثيرة لكنّها مُهمّة. أوّلها أنّ موظّفاً كبيراً في الخارجيّة الأميركي نصح رئيس "حزب القوّات اللبنانيّة" سمير جعجع سواء في زيارته الرسميّة الأولى للبنان وقد زاره مرّات عدّة سابقاً، أو باتصال معه بعدم الخروج من الحكومة التي له فيها أربعة وزراء. علماً أنّه لم يكن قبل ذلك يفكّر في الاستقالة. وعلى العكس من ذلك فقد كان مؤمناً بأنّ استهداف حزبه عند تأليف الحكومة بعدم إعطائه حقيبة أساسيّة، وبعد ممارستها أعمالها بعدم تعيين محازبين له رغم كفاءتهم في مواقع عدّة مُهمّة، وباستئثار "التيّار الوطني الحر" بمعظم المواقع الرسميّة المسيحيّة المُهمّة في الإدارات العامّة والأسلاك المتنوّعة، يهدف إلى "تطفيشه". فقرّر التمسّك بالبقاء فيها. فهل كان للنصيحة الأميركيّة دور في عكس قراره الحكومي؟ وثاني الأدلّة هو مفاتحة جعجع "حليفه" الزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط وحزبه التقدّمي الاشتراكي باستقالة وزيريه وبتوقيت واحد مع استقالة الوزراء القوّاتيّين الأربعة. وفي هذا المجال يعتقد المُتابعون أنفسهم أن جنبلاط ربّما راودته فكرة الاستقالة، وأشارت في حينه وسائل الإعلام المحليّة إلى ذلك ولكن تلميحاً لا تصريحاً، كما تحدّثت عن أنّه يفضّل أن تواكب الاستقالة الحكوميّة لحزبه استقالة الحريري ومعها استقالة "القوّات". لكن وليد بك المعروف بـ"أنتيناته" اللاقطة بدقّة كبيرة داخليّاً وإقليميّاً ودوليّاً عرف بنصيحة أميركا لجعجع بالاستقالة، فـ"ضرب فرام" كما يُقال، وقرّر البقاء إلى جانب الحريري "حليفه" المُزمن رغم مراحل الجفاء الكثيرة بينهما منذ تعاونهما عام 2005 بعد استشهاد والد الأخير. أمّا ثالث الأدلّة فهو دفع الإدارة الأميركيّة الحريري إلى الاستقالة ونصحها إيّاه بإبعاد "حزب الله" عن حكومته الجديدة إذا كلّفته الأكثريّة النيابيّة التي تقودها جهة غير مُوالية لواشنطن بل مُعادية لها تأليفها. وهو أيضاً استقبال الحريري أربع أو خمس من المجموعات القائدة للاحتجاج الوطني الأكبر، وإجراؤه حواراً معها حول أمور عدّة تتعلّق بالمطالب المتنوّعة والمباشرة والجادّة المرفوعة فيه وبالطريقة المناسبة لمعالجتها. ولا يستبعد "حزب الله" أن يكون ذلك تمهيداً للاستقالة، وبداية تنفيذ خطّة أو خطط موضوعة سلفاً لمحاصرته وإبعاده عن السلطة، وتخييره بين البقاء خارج الحكومة الجديدة وبين فوضى في الشارع أمنيّة واجتماعيّة... يؤكّد دائماً أمينه العام ونوّابه ومسؤولوه أن لا مصلحة له فيها ولا للبلاد واللبنانيّين. وفي هذا المجال يعرف "الحزب" أنّ الدور الأميركي "المشبوه" في رأيه رافعة موقف عربي "مشبوه" أيضاً تمثّل بتحريض المُعادين له من كل الطوائف والمذاهب، أوّلاً على الاشتراك في الاحتجاج ولاحقاً على دعم الحريري وفي أي خطوة يخطوها. كما تمثّل واستناداً إلى معلوماته بتمويل الإعلام المتنوّع الذي خاض معركة الاحتجاج مثل المشاركين فيه وربّما أكثر منهم. وهو يعرف أيضاً أنّ جهات عدّة عربيّة وإقليميّة إسلاميّة لها نفوذ في حركات وجماعات إسلاميّة داخل العاصمة بيروت وفي الشمال و"الجبل" دخلت على خط الاحتجاج الأكبر وتبنّت شعاراته، ثم بدأت بعد كم يوم تطرح مطالبها. وهذا ما دفع الحريري إلى عقد اجتماع رسمي واحد لحل مشكلة مزمنة يطالب اللبنانيّون بحلّها وفي مقدّمهم أهل السنّة من زمان، هي العفو عن المسجونين الإسلاميّين سواء الصادرة في حقّهم أحكام أو المُنتظرين ومن زمان محاكمات لم تبدأ بعد أو ربّما لم تنتهِ. وبدا بذلك أنه يهيّئ شارعه السُنّي بـ"مستقبليّيه" وإسلاميّيه لاستقبال الاستقالة عندما يقرّرها بترحاب، ولدعم أي موقف يتّخذه عند تأليفها إذا كُلِّف ذلك، لا سيّما إذا كان عدم تمثيل "حزب الله" في الحكومة الجديدة. ولأوّل مرّة تحرّك وريث الحريريّة بتكتّم شديد حتّى في محيطه بدليل عدم معرفة أحد ولا سيّما الرئيس برّي بالاستقالة. ويُفترض أنّه داعمه دائماً في أوقات شدّته حتّى مع شريكه في "الثنائيّة الشيعيّة" "حزب الله" والرئيس عون. ذلك انّ في المحيط المذكور من "يتبرّع" أحياناً بإيصال أخبار "بيت الوسط" إلى من يعنيهم الأمر بعلم سيّده أو من دونه. وبذلك فأجأ الحريري الجميع. وقد لاحظ ذلك سفير فرنسا فوشيه الذي كان في زيارة لعين التينة. إذ اصفرّ وجه سيّدها برّي أو بالأحرى أبيضّ تماماً بعد مخابرة هاتفيّة تلقّاها من "بيت الوسط" أعلمته بالاستقالة الوشيكة. وبدا يومها أنّه اتّخذ موقفاً سلبيّاً جدّاً إذ قال لصديق له مطّلع وناشط اتصل به هاتفيّاً: "كنت دائماً أساعد الحريري وأدعمه وأقف معه حتّى عندما كانت تنشأ مشكلات بينه وبين شريكي وحليفي في "الثنائيّة الشيعيّة" أي "حزب الله". لكنّني الآن وجرّاء ذلك صرت ضدّه".