.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
لم يشهد العراق منذ قيام أوّل ثورة أو بالأحرى أوّل انقلاب عسكري فيه عام 1958 استقراراً ثابتاً. فعبد الكريم قاسم الذي قام به أيّده الناصريّون والقوميّون العرب والبعثيّون والشيوعيّون الذين كانت لهم أحزاب وتنظيمات وجمعيّات، ولكلٍّ منهم جمهوره الشعبي الخاص وضبّاطه ورتباؤه وجنوده في الجيش الرسمي للدولة. لكن حكمه لم يدم إذ انقلب عليه حلفاؤه المدنيّون بعدما تبيّن لهم انتماؤه أو بالأحرى اقترابه الوثيق من الشيوعيّين، فأطاحوه بانقلاب عسكري وتعرّض للقتل كما هو معروف. فتسلّم الحكم عبد السلام عارف وبعده شقيقه عبد الرحمن عارف المعروفان باتّجاههما الناصري. وذهب حكم الأخوَيْن بالطريقة الانقلابيّة الممزوجة دائماً بتحرّك شعبي موالٍ. وحلّ مكانه حكم "حزب البعث العربي الاشتراكي" واستمرّ. لكن خلافات الحكم والحزب ضربت الاستقرار داخلهما فانعكس ذلك على استقرار الشعب ومصالحه. ولم "يستقرّ" العراق إلّا عندما تسلّمه وبانقلاب حزبيّ وعسكريّ في آن الحزبيّ المتوسّط المقام صدام حسين الذي استخدم قربه من "الحكّام الرفاق" لتكوين نفوذ مُهمّ له في صفوف العسكر على تنوّعه وداخل الحزب. فوصل إلى الحكم أوّلاً في موقع نائب الرئيس ولاحقاً في موقع الرئيس. لكنّ "الاستقرار" المُشار إليه أعلاه لم تكن أسبابه ممارسة فعليّة للديموقراطيّة واعترافاً رسميّاً وعمليّاً بحريّة العراقيّين وبحقّهم في ممارسة السياسة. كما لم تكن أسبابه ممارسة فعليّة للاشتراكيّة، وهي سمة أساسيّة لحزبه في السياسة أو في الاقتصاد، تؤمّن في مقابل مصادرة الحريّات على أنواعها لقمة العيش والعمل والعلم والطبابة وما إلى ذلك. بل كانت أسباب الاستقرار القمع الدائم للطامحين والمنافسين على الزعامة ولمُقيمي علاقات مُهمّة مع الخارج لأنّها تُهدّده ونظامه وإن كانت لا تُهدِّد البلاد. والقمع كان بالظلم الشديد والخوف الأكثر شدّة الذي يدفع بعض هؤلاء إلى الفرار من العراق. وكان بالقتل من دون محاكمة قضائيّة وأحياناً بمحاكمات قضائيّة وحزبيّة اسميّة. وشمل ذلك رجال دين ودنيا وأقساماً مُهمّة من الشعب. طبعاً كانت لندن مقرّ لجوء الشخصيّات والأغنياء. وكانت إيران مقصد رجال الدين والمواطنين العاديّين ولا سيّما بعدما قامت فيها الثورة الإسلاميّة والجمهوريّة الإسلاميّة. أمّا أسباب اللجوء إليها فمتنوّعة، وينفي بعثيّون حتّى الآن، أنّ تكون سنيّة النظام أو رأسه صدّام وراء قمعه الشيعة أو بطشه بهم. فهو قتل سُنّة كثيرين وغير سُنّة من الناس ومُتعاطي السياسة المُعادين له. كما قتل آلافاً مؤلّفة من الأكراد السُنّة بسبب تمسّكهم بقوميّتهم وحقّهم في دولة أو على الأقل في حكم ذاتي داخل العراق. لكن كون الشيعة غالبيّة الشعب في العراق واشتهارهم منذ نشأة الشيعيّة بمقاومة الظلم والاضطهاد والحرص على حريّاتهم وبالسير وراء مرجعيّاتهم الدينيّة، جعلهم الهدف الأوّل له فبطش بهم الأمر الذي دفع مئات الآلاف وربّما ملايين عدّة إلى اللجوء إلى إيران. طبعاً ليس "الموقف هذا النهار" في وارد تأريخ مرحلة صدّام، لكنّه بدأ بهذه السرديّة التاريخيّة كي يتطرّق إلى ما يجري في العراق بعد إزالة صدّام واستلام الغالبيّة الشيعيّة السلطة الأساسيّة بمساعدة إيران وإشرافها من أجل "الإطلال" في نهايته على الوضع الحالي للبنان.