لماذا وصل "الربيع العربي" إلى لبنان متأخراً؟
Smaller Bigger

من أبلغ ممارسات العنف التي يذكرها المؤرخون تلك التي حدثت في فرنسا ضد الرئيس شارل ديغول في شهر أيار (مايو) سنة 1968.

ولقد قاد في حينه تظاهرات الشباب في باريس وضواحيها طالب من أصل ألماني يهودي يدعى كوهين بانديت.

والثابت أن أنصاره باشروا اقتحامهم للشوارع بعد تعطيل حركة المواصلات في العاصمة بحيث منعوا الحافلات والقطارات من خدمة المواطنين. ثم أتبعوا شلل باريس بإرغام المصانع والجامعات على إقفال أبوابها وتسريح العمال والطلاب.

وفي مرحلة لاحقة، أضرم المحتجون الحرائق المروعة في المدن والقرى بهدف إسقاط ديغول عن حكم استمر إحدى عشرة سنة.

وبقي الرئيس الفرنسي أكثر من سبعة أشهر يمانع في الاستجابة لمطالبهم، الأمر الذي أدى الى زعزعة مؤسسات الدولة، وحدوث سلسلة أزمات اقتصادية بالغة التأثير. لذلك تدخل رؤساء الأحزاب وكبار الصناعيين مع ديغول الذي وجد الحل بتقديم مشروع إصلاحات خاضعة لنتائج استفتاء عام. ولما جاءت النتيجة في غير صالحه، قدّم استقالته وغادر قصر الاليزيه.

بعد مرور نصف قرن تقريباً على تلك الحادثة، انتقلت عدوى المسيرات الحارقة من باريس الى تونس. وكان ذلك إثر إقدام البائع المتجول محمد البوعزيزي على إحراق نفسه إحتجاجاً على مطاردة الشرطة له، ومنعه من البيع في أماكن معينة. ونُقِل الى المستشفى حيث عولج من حروقه العميقة، ولكنه توفي آخر الأمر في الرابع من كانون الثاني (يناير) سنة 2011.

وكانت ردود الفعل الشعبية على هذا الحادث المؤلم أكثر بكثير مما توقع الرئيس زين العابدين بن علي. ذلك أنه دفع الى الشارع حشود المطالبين بضرورة محاكمة رجال الدولة. كما أخرج بالتالي الغضب الشعبي من صدور شبان عانوا الأمرّين من البطالة والإهمال. ومثل هذا التطور المفاجئ أرغم الرئيس بن علي على الهرب بالطائرة. ومنذ ذلك الحين، اكتسبت انتفاضة شبان تونس صفة "الربيع العربي."

وبعد التغيير الداخلي، واستقالة رجالات العهد السابق، أطل "الربيع العربي" على ليبيا ليحرج "ملك افريقيا" ويدفعه الى وصف شبان المعارضة بـ "الجرذان." ولكن الانفجار الاجتماعي الذي انتقل من طرابلس الى بنغازي أخاف السلطة الحاكمة ودفع بمعمر القذافي الى الاحتماء كالجرذ في فوهة أنبوب يستخدم لتصريف المياه القذرة. والملفت أن الشاب الذي أطلق النار عليه لم يكن عمره يزيد على 18 سنة.

كان من الطبيعي أن تنتقل موجة "الربيع العربي" الى مصر، الجارة الكبرى لليبيا. وبما أن جماعة "الاخوان المسلمين" كانت دائماً مهيأة للنزول الى الشارع، فإن ميدان التحرير في القاهرة تحول الى مسرح دائم لعرض مئات الأناشيد والأغاني وكل ما يدعو الى تنحّي الرئيس حسني مبارك عن الحكم. وكتبت "الأهرام" تقول إن حال الهستيريا وصلت في شوارع القاهرة والاسكندرية الى حدود لم تعرفها مصر إلا في أيام جمال عبدالناصر. ولقد زادت المكالمة الهاتفية التي أجراها الرئيس الاميركي السابق باراك اوباما مع الرئيس مبارك، الوضع المتأزم بلبلة وقلقاً. فقد طلب منه الانسحاب بهدوء، وعدم الإعتراض على موقف "الاخوان" الذي رأى فيهم اوباما خلاصاً لمصر مثلما أحدث حزب رجب طيب اردوغان في تركيا.