صار واضحاً للبنانيين أن وزارة الطاقة، وبعد التأكد علمياً من وجود ثروة غازية ونفطية مهمة في "لبنان"، هي أحد أبرز الأسباب لفشل الرئيس المكلّف تمام سلام في تأليف حكومة جديدة، رغم استقالة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي قبل نيّف وعشرة أشهر. ذلك أن "التيار الوطني الحر" بزعامة العماد ميشال عون يريد نسيبه الوزير جبران باسيل فيها لأنه أعدّ في أثناء تولِّيه اياها كل ما يلزم من دراسات تمهيدية وإطارات قانونية ومؤسساتية للبدء في إجراء مناقصات لتلزيم التنقيب للشركات المؤهلة لذلك، وذلك بعدما أثبتت الدراسات والعمليات الاستكشافية وجود الثروة المذكورة. وهذا الأمر يجعل من واجبه متابعة العمل في الحكومة الجديدة تلافياً لإضاعة الوقت، وحرصاً على تسريع تحوّل لبنان دولة نفطية وعلى تمكينه من الإفادة من الثروة الوحيدة المتوافرة له كي يعالج مشكلاته الاقتصادية والاجتماعية الكثيرة على نحو يساهم في حل مشكلاته الأخرى.
طبعاً ليس تمسُّك عون بباسيل في وزارة النفط السبب الوحيد لتأخير تأليف الحكومة. وقد يكون موقفه عائداً إلى خلافاته وحلفائه مع أخصامهم السياسيين على خيارات وطنية وأخرى اقليمية خلفياتها كلها طائفية ومذهبية ومصلحية. لكن الثابت أن الوزارة المذكورة صارت السبب المباشر لطول عمر الأزمة، ولإخفاق المساعي التي بُذلت بكثافة في الأسابيع الماضية لحلّها، علماً أن التجارب تدفع إلى الشك في صدق بعض السعاة وفي قدرة بعضهم الآخر وفي اهتمام بعضهم الأخير.
وأمس ورغم اقتناع الوسطاء المحليين، ومنهم أفرقاء في الأزمة، بأن مساعيهم فشلت، وبأن "الحكومة الجامعة" يُحتمل جداً ان لا ترى النور، وبأن حكومة ما يسمى الأمر الواقع قد تصدر مراسيمها رغم "الزوابع" المهددة للاستقرار التي قد تثيرها، أو بأن الفراغ الحكومي سيبقى من خلال الحكومة المستقيلة، رغم هذا الإقتناع بدا أمس أن محاولة جديدة قد تُبذل على هذا الصعيد وهي تنطلق من فكرة تقسيم وزارة الطاقة إلى اثنتين. وهذا أمر يمكن أن يحصل واقعياً، لأن حصوله قانونياً يحتاج إلى وقت وإلى مناخ توافق سياسي غير متوافر حالياً، وذلك بتسمية وزير للنفط والغاز ووزير للموارد المائية والكهربائية. لكن أمل أصحاب هذا الاقتراح في النجاح ضعيف. ذلك انهم سيواجهون العقدة نفسها. فالعماد عون سيطلب تولّي صهره باسيل "حقيبة" النفط والغاز لا الحقيبة الأخرى. علماً أن لا شيء يمنعه من المطالبة بالاثنتين.
لماذا الكلام عن هذا الموضوع اليوم؟
للفت "الشعوب" اللبنانية التي ستستفيد كلها من الثروة الغازية والنفطية إلى ان الولايات المتحدة التي لم يعد لبنان على شاشة اهتمامها إلا من زاويتين ضيقتين، والتي تفضّل استقراره على استمراره منفتحاً على الفوضى والفتن والحروب، لا تزال مصممة على التعاطي المباشر مع هذا الموضوع للمساعدة في تذليل كل صعوباته الخارجية مثل الاختلاف مع اسرائيل حول الحدود البحرية، ومثل الاختلاف حولها مع قبرص أيضاً، كما للمساعدة في تمكين الدولة اللبنانية من امتلاك كل الخبرة والمعرفة اللازمتين كي تنجح في الانطلاق لاستغلال ثروة يحتاج إليها شعبها بحدة. علماً أن نجاحاً كهذا، أي إجراء المناقصة أو المناقصات اللازمة وتلزيم الشركات، وقبل ذلك إثارة شهية الكبرى منها والمتنوعة في انتماءاتها الوطنية، علماً انه يشكّل نوعاً من الحماية الدولية غير المباشرة للبنان رغم صغر مساحته، وربما يساهم في مساعٍ دولية جدية لحل الخلافات المستعصية لشعوبه. ولعل دولة قطر الصغيرة المساحة والقليلة السكان تشكِّل المثال الحي على ذلك. فهي اليوم من أكثر الدول في العالم حماية.
أما الاهتمام الأميركي المشار إليه أعلاه فتمثّل أولاً بتكوين وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون مكتباً أو إدارة للطاقة في الوزارة. وأظهرت بذلك أن الطاقة لم تعد قضية محلية بل قضية دولية وسلعة دولية. ثم عيّنت على رأسه مساعد وزير مختص اسمه آموس هوشستيْن. وهو يتحرك بين لبنان وإسرائيل وقبرص وتركيا. وهو لم يتخلَ عن سعيه لحل خلاف لبنان وإسرائيل على الحدود البحرية خلافاً لتقارير إسرائيلية نشرتها وسائل إعلامها وصفها في حينه بالكاذبة. وهو يعتبر الاهتمام بلبنان النفط والغاز جزءاً من اهتمام أميركا بالمنطقة، لكنه يركِّز على ضرورة الانتهاء من الأزمة الحكومية الطويلة، ومن أجواء عدم الاستقرار، وخلق محيط سليم وصحي وملائم للاستثمار وخصوصاً للاستفادة من النفط والغاز الموجود بكمية كبيرة استناداً إلى الدراسات. وهو أخيراً لا يتدخَّل في السياسة في لبنان رغم انه يعرف عنها كثيراً وربما بسبب معرفته هذه.
الأكثر قراءة
توقيف غامض ونقل إلى سوريا وروايات متناقضة تضع الدولة أمام مسؤولية كشف ما جرى، وسط مخاوف أمنية وديبلوماسية.
نبض