.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
الأزمة غَير مَسبُوقَة. موسكو تُقاطِع "مجمع" كريت في 2016، والقسطنطينيّة ترد في عقر دارها بمنح الاستقلاليّة الكنسيّة للمُنشقِّين في أوكرانيا، على حساب الأرثوذكسية الشرعيّة المرتبطة بموسكو منذ أكثر من ثلاثة قرون. رفضت موسكو القرار وقطعت الشركة مع القسطنطينية. الكنائس الأرثوذكسيّة أصيبت بالذهول وتجَمَّدّت حَرَكَتُها. دعواتها للبطريرك المسكوني لعقد قمّة طارِئَة لم تلقَ تجاوبا. هذه الحالة الانشقاقيّة تُفسِد الشَرِكة بين كل الكنائس الأرثوذكسية، وتَضرُب بمِصداقيتها كجسد واحد لا يُجَزَّأ. تعولمت الأرثوذكسيّة في القرن العشرين وانتقلت من أرثوذكسيّة "شرقيّة" إلى أرثوذكسيّة "عالميّة" في كل القارات، دون أن تُرَاجِع حوكمتها التقليديّة لتتناسب مع هذا الموقع الجيوسياسيّ الجديد. الأزمة اليوم، أزمة حوكمة تُنتِج أزَمَات مُستعصِيَة، إستونيا، قطر، تشيكيا، كريت، أوكرانيا إلخ.. وأزمة انتفاء آليات لحلّ النزاعات. والأصعب أن القسطنطينيّة هي اليوم طرف وحكَم. الخروج من مأزق الحائط المَسدود، يتطلب توصيفاً لجذور المرض. فهل الأرثوذكس كنيسة واحدة جامِعَة مُقدَّسَة رسوليَّة أم كنائس قومِيّة مُتنافِسة لا تكامُليّة بينها بالرغم من طلب بولس لأهل كورنثوس: "... اطلُب اليكم الا يكون بَينَكُم شقاقاتٌ بل تكونوا مُكتملين بفكرٍ واحدٍ ورأي واحد"؟ نعم، سَقَطَت القسطنطينيّة قبل أن تَسقُط بسبب المَصلَحِيَّة القوميّة. وتحوَّلت مع الوقت الأرثوذكسيّة "الإيمانيّة" إلى أرثوذكسيّة "قوميّة" تُفَتِّش عن تاريخ الله في كُتُب الجغرافيا والجيوسياسيّة والانتماءات. تَنبّأ المطران جورج خضر في آب 1991، وهو القارئ في أمراض الأرثوذكسيّة، ما قد يَحدُث يَومَاً ما في أوكرانيا: "هل تستطيع الكنيسة الرسميّة المُواليَة لموسكو دينيّاً أن تُحافِظ على هذا الولاء إذا انشَقَّت جمهورية أوكرانيا؟" وتابع "لا أحد يَستطيع التَكهُّن لأن المَألوف التاريخيّ مُنذ القرن الماضي أنَّ مَن استقلَّ قوميّا يَستقلُّ كنسيّا". "المألوف التاريخي" عند سيدنا جورج ليس إلا إشارة إلى واقع أليم لتأثير القومِيَّات في الأرثوذكسيّة، تَمَّت إدانَتُهُ في مجمع القسطنطينية في 1872. فالقوميّة ليست المِفصَل، بل الشركة الإيمانيّة. هذا "المألوف التاريخي" لم يَنطَبِق يوماً إلى الآن على التجربَة الإنطاكيّة. فلم يُطالب الأرثوذكس في لبنان بإنشاء كنيسة وَطنيّة لهم، عند استقلال لبنان. ورجائي أن لا يطالبوا بذلك اليوم، وهم لن يفعلوا بالرغم من كل الكلام عن أخطار مُحدِقَة بالوحدة الأنطاكيّة وأن أنطاكية، كما صربيا، بعد أوكرانيا، مُستهدفة. بالطبع، هناك مشاكل حوكمة وحساسيّات وتباعُد. لكن يَجِب مُعالجتها جميعها تحت سقف الوحدة الإنطاكيّة العزيزة بالمسيح. وهنا تكمن خطورة وأبعاد الأزمة الأوكرانيّة، كمُحاوَلة لإخضاع حوكمة الكنيسة وجغرافيتها، اليوم أكثر من الأمس، للاعتبارات القوميّة والجيوسياسيّة المُتغيِّرَة. ألم يَترَاجع الرئيس الأوكراني الجديد زيلينسكي عن مُداخَلات سلفه، الرئيس بوروتشينكو، في الكنيسة؟ تاريخيَاً، كانت البطريركيات القديمة مَراكز شركة إيمانيّة لدوائر شركة لرعايا تتخطّى الاعتبارات القوميّة والجغرافيّة والسياسيّة. وقد عَبَّرَ عنها قانون الرسل 34 أجَلّ تعبير. لكن مع صعود أفكار التَحَرُّر الوطني في القرن التاسع عشر تحت التأثيرات الغربيّة، جاءت نظرية "حتميَّة الانشقاق الكنسي عند الاستقلال الوطني"، على خلفية الثورة اليونانية الوطنية. ومُنَظِّر هذه المُعادلة التي تقول "أن حدود الكنيسة، كما حدود الأمة يجب أن تتبع الحدود السياسيّة، وليس العكس"، هو الأرشمندريت ثيوكليتوس فارماكيديس، مُنَظِّر الاستقلاليّة الكنسيّة اليونانيّة التي تم إعلانها في 1830، واعترفت بها القسطنطينية في 1850. فالاستقلال اليوناني عن السلطنة كان أيضا استقلال عن القسطنطينيّة التي اتَّهَمَهَا قادة الثورة اليونانيّة بالتبعيّة للباب العالي. لكن مقياس فارماكيديس قلَبَ القاعدة الكنسيّة القديمة وأخضع الكنيسة للاعتبارات الجيوسياسيّة المُتغيِّرَة وفتح المجال لنمو الأرثوذكسيّات القوميّة ولتنامي تداخُل الكنَسي والسياسي في الأرثوذكسية، بالأخص عند القسطنطينيّة وموسكو على خلفية صراعهما على الريَادة. فمثلاً مُراسلات ميلون تيلور، مُستشار الرئيس ترومان معه ومع السفير الأميركي في تركيا، ووثائق أخرى لمُراسَلات مع الفاتيكان، تُشير عند انتخاب البطريرك أثيناغورَس، قبله وبعده، للعلاقة المُستديمة بين البطريركيّة المسكونيّة والإدارة الأميركيّة من أجل مُناهضة روسيا والشيوعيّة والإتحاد السوفياتي حينها. وهذه العلاقة مُستمرة لليوم ومنهم من يشير إلى بيانات الخارجية الأميركية للتأكيد على قرار القسطنطينية في أوكرانيا ودعمه. في المُقابل العديد من الوثائق تشرح أيضا استعمال الكنيسة في روسيا من قبل الدولة السوفياتية وتتهم الكنيسة اليوم في روسيا بالتماهي مع سياسات الدولة الروسية. الخروج من الأزمة يتطلب من الطرفين ومن كل الكنائس الأرثوذكسية مُراجعة نقديّة لتداخل السياسي والكنسي في الأرثوذكسيّة، وإخضاع الأرثوذكسية القومية الى الإيمانيّة وليس العكس، ووضع مناهج وقواعد حديثة لحوكمة تشاركيَّة إكليريكيّة علمانيّة تربُط بشكل بَنّاء ومُنتِج جدليّة الأوليّة والمَجمعيّة. أما الخروج من الأزمة الأوكرانية فيتطلب جرأة تاريخيّة وتضحيات من الطرفين من أجل المَصلحة الأرثوذكسية العُليا ويتطلب قراراً من القسطنطينية "بتجميد" طوموس الاستقلالية، وقرار من موسكو "بتعليق" قرار قطع الشركة من أجل فتح المجال للقاء والتباحث والتفاوض بين الطرفين، وإقرار من الطرفين بضرورة التعامل مع مَطلبيّة الاستقلالية الكنسيّة الأوكرانيّة بشكل كنسي مُنفتِح وبالتوافق المشترك على شروط وضوابط هذه الاستقلالية ومنها العلاقة المُميَّزة مع روسيا والتاريخية مع القسطنطينيّة نظرا للحقوق التاريخية للطرفين، منعا لأي استغلال سياسي للموضوع. ويبقى التساؤل: شعب الله أم شعوب الله؟ كنيسة أم كنائس؟ المُستقبل لناظره قريب.