آلام الكنيسة في القرن العشرين وصعوداً ... داخلية وخارجية
Smaller Bigger

كان القرن العشرين أكثر قَسَاوَةً على الأرثوذكسيّة من القرون السابِقة. فكل الكنائس كانت، ولا تزال، قائمة على خطوط التماسّ الجيوسياسيّة العالمية، تتجاذبها مصالح الدول وحروبها الباردة والساخنة. فبعد حبس الأرثوذكسية الشرقية في "القفص" العثماني لأربعة قرون، جاءت الحرب العالميّة الأولى المنطلقة من البلقان، لتُرهِق كل المجتمعات الأرثوذكسيّة. وتَبِعَتها في 1917 الثورة البولشيفيّة الشيوعيّة المُلحِدَة وضَرَبَت روسيّا، الأمة الأرثوذكسية الأكبر. فسُحِقت الكنيسة بين سندان الشيوعية ومِطرقتِها. وقبل أن يَلجَأ ستالين الى الأرثوذكسيّة والشعور القومي في العام 1941 لإنقاذ روسيّا من المَحدلة النازيّة، تم قتل حوالى 600 أسقف، و40 ألف كاهن و120 ألف راهب وراهبة وتدمير آلاف الكاتدرائيات والكنائس والأديرة. انهزَمَت الشيوعية عام 1988، فطلب غورباتشيوف من البطريرك بيمن تنظيما مُشترَكا لاحتفاليّة ألفيّة معموديّة روسيا. ثم تحرَّرت الأرثوذكسيّة في شرق أوروبا من "القفص" السوفياتي عند سقوط حائط برلين عام 1990. أمّا الأرثوذكسية اليونانيّة، فضُربَت على مراحل، في 1923 مع التطهير العُرقي ليونانيُّي آسيا الصغرى وفي 1955 مع أحداث أيلول الدامِيَة ضد يُونانيُّي إسطنبول لتهجيرهم، واجتياح واحتلال قبرص الشمالية في 1974، وضرب اقتصاد اليونان ووضعه منذ 2008 تحت الوصاية الدوليّة ومحاولات تدجين الكنيسة اليونانيّة بالقوة من قبل حكومة تسيبراس، الاشتراكية الراديكالية المُلحِدَة. صعود الراديكاليّة الإسلاميّة السلفيّة بسبب ضُعف المواطنة العربيّة، هدَّد كنائس الشرق ودفع بأبنائها إلى الهجرة. ولا ننسى الآلام الصربية وحروب يوغوسلافيا الأمَمِيَّة الأطلسيّة عليها في 1991، والوضع المُعادي للأرثوذكسيّة الصربيّة ومَطارِحِها التاريخيّة في كوسوفو، واختطاف فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي منذ 1948، و"حروب الآخرين في لبنان" منذ 1975 على قول غسان تويني، والمأساة السوريّة المُستمرَّة فصولاً. مُحاولات إنهاك الأرثوذكسيّة وتقسيمها مُستمرة مع الأزمة الأوكرانيّة المُستعرة ومع مُحاولات فصل الأرثوذكسية في مقدونيا والجبل الأسود، المونتينيغرو، عن صِربيا. هكذا تنقَّلت خطوط النار في الرِّحاب الأرثوذكسيّة طيلة القرن العشرين، ولا تزال، ونَهَشَ سعيرُها جَسَد الأرثوذكسيّة ولحمِها. وأتت الضَرَبَات فيها مِن الداخل والخارج. داخليّا، مع عدم قدرة الأرثوذكسيّة على الالتحام واستباق ومُواكبة تحوُّلات عَولَمَات القرن العشرين، وبسبب التنافسيّة القاتلة للأرثوذكسيّة الجَامِعَة، بين القسطنطينيّة وموسكو التي فتحت الباب للقوى العالميّة لاستغلال ضُعُفات الأرثوذكسيّات القوميَة ولضَرب مُقاومة "الأرثوذكسيّة الإيمانيّة"، التي وإن طالتها السِهامُ وأمسَت شهيدة، فهي لما تَزَل شاهِدَة. في خِضَمّ هذه التحولات (الغرب الساعي لاقتناص الشرق، الراديكاليّات المُتديِّنَة، الشيوعيّة المُلحِدَة، الليبراليّة اللادينيّة المُتعلمِنة والمُتعولمة)، حاولت الأرثوذكسيّة أن تفك الطوق عنها. فعلى خلفيّة تقوية البطريركيّة المسكونيّة بسبب التحولات التي تُضعِفُها، دعا البطريرك المسكوني ملاتيوس ميتاكساكيس، الأرثوذكس للقاء قمّة في إسطنبول عام 1923 وهو صاحب نظريّة "نعم للوحدة الأرثوذكسية في دول الانتشار في العالم، لكن تحت لواء البطريركية المسكونيّة"، التي رفضتها موسكو وقسم كبير من الكنائِس الأرثوذكسيّة. وتتالت اللقاءات في دير فاتوبيدي في آثوس في 1930، والمؤتمر الأول لمعاهد اللاهوت الأرثوذكسية في 1936 في أثينا، والمؤتمر في موسكو في 1948 الذي انعقد على خلفيَّة مرحلة دوليّة صعبة وتنامي الحرب الباردة على الريادة بين موسكو والقسطنطينيّة. فرفضت الأخيرة حق موسكو بالدعوة للقاءات أرثوذكسية جامعة، وقاطعت المؤتمر، هي وكنائس أورشليم وقبرص واليونان. ثم جاء انتخاب البطريرك أثيناغورس في 1948 الذي فتح كوة رجاء وهو الذي لمع نجمُه في الفضاء الأرثوذكسي كرجلٍ سَلامِيّ يسعى الى "جمع الأرثوذكس في البيت الواحد وإن كان مُتعدِّد النوافذ". فبدأ من رودس 1961 مشوار الصعود نحو المجمع الأرثوذكسي الكبير برجاء. تبعته، على عقود عدة، مؤتمرات أرثوذكسية جامعة ولقاءَات تمهيديّة وقِمَم "سيناكسيس" لرؤساء الكنائس الأرثوذكسية كان يجب أن توصل الأرثوذكسية إلى المجمع الأرثوذكسي الكبير الذي لولا أمراض التنافسيّة والاوليّة التي مَنَعَت الاهتمام بالشأن الجامع وإيجاد الحلول لمشاكل كنسيّة هامّة، ومنها قضية تعدّي أورشليم على ولاية أنطاكية الكنسية في قطر. فتنامَى التموضع التَجابُهِيّ بين الكنائس على حساب المَجمعية الحقة التي ترفق وتتأنّي. فجاء لقاء كريت في 2016 مجتزأً وغير جامع في غياب أربع كنائس كبرى، أنطاكية الرسولية وروسيا، وبلغاريا وجورجيا. واستمر التنافس والاحتقان صعودا إلى الأزمة الأوكرانية عام 2018.