30-09-2019 | 23:45
"الأرثوذكسية على مُفترق طُرق" - الجزء الثاني: من سقوط القسطنطينية إلى صعود نجم موسكو
"الأرثوذكسية على مُفترق طُرق" - الجزء الثاني: من سقوط القسطنطينية إلى صعود نجم موسكو
Smaller Bigger

"يا الله، دخلت الامم على مِيرَاثِكَ". هذا الرثاء للقسطنطينية حين سقوطها في 1453 هو كالبُكاء على "انهار بابل"، كلمات تَتَحَسُّر بحنين وحُزنٍ وألمٍ ودموعٍ وأسَى على المَدينة المُقدَّسَة المُتمَلِّكَة. صَعِدَت بيزنطيا مع قسطنطين الكبير وتلألأت انوارها وتعاظمت ثرواتها لأكثر من ألف سنة، وأسست لحضارة ورثتها أوروبا. مع اندِحَارِها على اسوار القسطنطينيّة في ٢٩ ايار 1453 تَزَلزَلَت الأرض وفُتِحَ جِرحٌ عميق في الأرثوذكسيّة لا يزال ينزف الى اليوم. فدخلت الأرثوذكسيّة في الزمن "العثماني" وعاشت حَالة من التَجَمُّد التاريخي، تراجَعَت فيها قُدراتها وضَعُفَت مَناعَتها وتَنامَت فيها عوامل القلق الدهري. فأطبقت عليها السلطنة العثمانية وأنهكت بطريركيّاتها الشرقية وكنائسها البلقانيّة طيلة أربعمائة سنة. ولم يكن الغرب غائِباً عن مُحاوَلات اضْعاف الأرثوذكسية وضَمِّها وإفراغ دمها، بالإرساليات والقَضْم والاقتِناص ومُحاولات السيطرة على الشرق وافتعال الشقاقات فيه. فتَغَرَّب الارثوذكس في ديارهم وتراجعت قدراتهم اللاهوتية والقِيادِيَّة على التوثب والتَجَدُّد، ودَفَعَ بهم القلق الدهري الى تنمية السياسات الاثنوفيلاتيّة القائمة على تزاوج الأرثوذكسية مع العصبية الوطنية، كوسيلة للتحرُّر من "القفص" العثماني. فتحَوَّل الأرثوذكس من "اهل البيت" إلى مَحمَيَّة مُغلقٌ عليها. فبعد أن كانوا "شعب الله" المُتَنَاغِم مع قيادَتَيه البطريركيّة والإمبراطوريّة من خلال دستور "السِيمفونيّة البيزنطيّة" التي أسس لها الامبراطور يوستينيانوس، تَحَوَّل الارثوذكس الى "مِلَّة" روميّة إثنيَّة يُنظر إليها كأقليّة مُنغَلِقَة على ذاتها وعلى بعض امتيازاتها المسموح بها في امبراطوريَّة عثمانية مُسلِمَة. فوَرِثَ البطريرك المسكوني موقع الامبراطور البيزنطي ووضع على رأسه تاج العظمة الامبراطوري المُرَصّع بالأحجار الكريمة. فبدأ تحوَّل دور البطريرك المسكوني والسعي القانوني لتطوير سلطاته الموروثة بفعل اتفاق البطريرك جناديوس مع السلطان محمد الثاني الفاتح عند سقوط القسطنطينية، الذي اعترف بالمسكوني، بطريركاً و"إتنارك"، اي رئيس زمني ودِيني لمِلَّته الروميّة. فبعد سقوط الإمبراطورية، اختصر البطريرك المسكوني بشخصه السلطتين، الكنسيّة والزمنيّة، وأمسى رمز الصقر ذو الرأسين، المسؤول عن الدفاع عن الأرثوذكسيّة الدينيّة والتاريخيّة. وتحوَّل مع الوقت مجمعه، "مَجمعاً دائِماً" يَضُمّ بَطاركة الشرق الأرثوذكس، الذين اضطروا لسُكنى اسطنبول لفترات طويلة من الزمن كون البطريرك المسكوني كان بابَهم ومَمَرَّهُم ووسيطَهم لدى الباب العالي كونه الوحيد المُعترَف به قانوناً لشؤون الأرثوذكس في السلطنة. وطغى العنصر اليوناني على قيادات البطريركيات الشرقية وأمسى البطريرك المسكوني "سوبر" بطريرك يُفَصِّل ما يراه مُناسباً. مما أسَّس بالممارسة، لهرميّة سلطة قانونية كنسيّة شبه بابويّة بعيدة عن المَجمعيّة الارثوذكسيّة الجامعة المُكَوِّنة لحوكمتها منذ الرسل. و "تعَثْمَنَت" حَوكمة البطريركية المسكونية وامست "بَلاطاً" يمزُج مَناهِج وتقاليد بَلاطين، البيزنطي والعثماني. فَسَلْطَنَ البطريرك وتَلوَّنَ بمَناهج عمل سلطانيّة أمست لديهم تقليداً أرثوذكسيّا لا يٌمَسّ به. في المقابل، بدأ صعود روسيا القيصريّة، كالأمة الأرثوذكسية الأكثر عدداً. فمعمودية الأمير فلاديمير وشعبه التي تمَّت في كييف سنة 988، أتت نتيجة الإرساليات اليونانية التي بشَّرت الشعوب السلافية منذ القديسين كيريلوس ومتوديوس. أما تنامي نفوذ "موسكو" وأميرها، فجاء بعد هجمات التتر في القرن الثالث عشر وانتقال أمراء الروس من كييف إلى موسكو. تردَّدَت القسطنطينية كثيراً لمنح الاستقلالية لمتروبوليتية موسكو النافِذَة جِدّاً التابعة لها، والتي كانت قد بدأت بانتخاب مطرانِها مَحليّاً منذ فترة. الاعتراف القسطنطيني بموسكو كبطريركيّة تم في سنة 1589 بعد مد وجزر بوساطة بطريرك أنطاكية يواكيم الخامس، "الذي قام بزيارة موسكو في 1586، كما يُخبر المثلث الرحمات البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم، ودَعَمَ طلب القيصر غودونوف تحويل كنيسة روسيا إلى بطريركية وأثار المسألة مع بطريرك القسطنطينية إرميا الذي زار بعد ذلك روسيا في 1589 وساهم في انتخاب أيوب، أول بطريرك للكنيسة الروسية." ووثيقة طرس الاستقلالية التاريخي مُذيَّل بتوقيعه إضافة لتوقيع إرميا القسطنطيني وصوفرونيوس الأورشليمي. هكذا، مع صعود وتَعَاظُم نفوذ موسكو العسكري والديبلوماسي والسياسي والديني وتنامي دورها كحامية للأرثوذكسية الشرقية، بدأ الحديث عن موسكو "روما الثالثة"، مما اسَّسَ لبدايات التنافُسِيَّة والتجَاذُب بين موقعي موسكو والقسطنطينية في العالم الأرثوذكسي، مما هَدَّدَ ولا يزال، اضافة لتحولات القرن التاسع عشر وصعود العصبيّات الاثنيّة، صفاء الارثوذكسية وقوة دفع بشارتها وهيكل وحدتها الجامعة.