حربٌ فُرضَت على تلفزيون "المستقبل" فسكت: صدمة وغصّة
Smaller Bigger

تُعلّم الحياة أنّ ما يذهب لا يعود بالزخم نفسه وذروة العزّ. قد تتّخذ العودة، إن حصلت، أشكالاً أقل رومانسية، تشبه التحايل على الجرح. يُمسي "تلفزيون المستقبل" مسحة أحزان، بعدما وُجد احتفاء بالفرح. رافق بيروت المُنهكَة بالتمزُّق، فلَمَّ وجَمَع. الذاكرة نازفة، صورها موجوعة. يمرّ الشريط سريعاً، بالصخب والأمجاد، ثم يدور دولاب الزمن، فتنطفئ وتأفل. ثمة وداعات تترك غصّة وتُبقي الدمع مُعلّقاً. الرثاءات صفحات مطوية، تصفرّ مع الوقت وتتكئ على كتفي الذبول. وحدها الذاكرة تتقلّب على جمر، فتُخرج من ثقوبها رائحة شواء قاسية. كرائحة بيروت بعد دكّ المدفع ورشقات الرصاص. حينها، حلّق "تلفزيون المستقبل" في فضاء يعبق بالدخان الأسود، فساند البلد في النهضة. يستريح، والمهنة في مأزق. مَن يصنع المصير ويكتب القدر؟ لعلّ "المستقبل" لو قلّص أعداد موظّفيه وأعاد الهيلكة بما تيسّر، لما وصل إلى نهاية ملتبسة، ملبّدة المشهد. لكن في بلد "الستّة وستّة مكرّر"، تُصاب المواقف بالحرج. أي موظّف سيتعرّض للاستبعاد، الشيعي أم السنّي أم المسيحيّ؟ على الأرجح، "حلَّ" قرار تعليق العمل المعضلة، فلا يستغلّ المتضرّر العامل الطائفي للانتقام. العودة المُقبلة إخبارية الطابع، "موعدها من ستة أشهر إلى سنة"، أما الآن فنوستالجيات من الأرشيف. يتعذّر الوصول إلى المدير العام رمزي الجبيلي، فيؤكّد رئيس مجلس الإدارة السابق نديم المنلا أنّ الواقع الإعلامي بأسره يتغيّر والمعاناة عامّة. بات معلوماً أنّ التعويضات ستُدفع، مُقسّطةً بين 20 و24 شهراً. "المستقبل" نهاية دراماتيكية لحقبة وعطاءات.

"بالآخر في آخر"

محطاتٌ من حزن وفرح، لن ينساها منير الحافي طوال 27 عاماً في "المستقبل". يتذكّر الأستوديو الأول في صيدا وتوجّهه إلى هناك بسيارة فان، قبل نقل استوديوات الأخبار إلى الروشة. ويتذكّر البداية مع غسان حبال المسؤول عن "فقرة إخبارية" مسجّلة، وكيفية تسجيل الصوت مع أحمد هنداوي في "كرتونة" للحفاظ على نقائه. يترحّم على الشهيد رفيق الحريري الفرِح بولادة محطة كانت "حلماً". أرادها على صورة لبنان النموذج. "المستقبل ليس للسنّة. جَمَع اللبنانيين لإيمانٍ بثقافة إنهاء الحرب وإعادة إعمار الإنسان بالعلم والوظيفة، قبل الحجارة". يُحزنه قرار "تعليق العمل"، ويأمل عودة الصرح إلى النشاط والعطاء. لا ينسى كيف هرع الى المحطة حين وقع الانفجار الكبير. رثاه في اليوم المشؤوم، الاثنين 14 شباط 2005. "وأتذكر ليالي لا ننام فيها، فيكون التلفزيون مأوى لنا". لينا دوغان أيضاً لن تنسى. تشعر بالوجع وينتابها أرق الليل. تتحدّث عن مكان تراءى لها الأهل والعائلة، وإن توقّعت أن تصل الأمور إلى شبه نهاية. لا تزال تلمح أملاً على هيئة حدس، يخبرها بأنّ غداً قد يحمل بشائر فرح. تكتفي بما ورد في بيان "تعليق العمل"، وتقدّم الامتنان لمحطة فيها جمالية الدفء والأخوّة.