مصر وتركيا في "بحر الصداقة"... لماذا لم يُفسد خلاف ليبيا التقارب؟
في مياه البحر المتوسط، تتدرّب القوات البحرية المصرية والتركية جنباً إلى جنب، بينما تتمسّك القاهرة برفضها القاطع لاتفاق بحري يمنح تركيا وليبيا حقوقاً متنازعاً عليها في شرق المتوسط. مفارقة تعكس طبيعة العلاقة الجديدة بين البلدين، وقدرتهما على مواصلة التقارب العسكري والسياسي رغم استمرار خلافاتهما بشأن ملفات إقليمية حساسة.
وانطلقت في الإسكندرية، الأربعاء، مناورات "بحر الصداقة 2026"، التي تستمر حتى الاثنين المقبل، بمشاركة وحدات من القوات البحرية للبلدين. وتشمل التدريبات العمليات البحرية السطحية ومكافحة الغواصات والدفاع الجوي والعمليات الهجومية تحت الماء.
وتأتي المناورات بعد أسبوعين من تصديق مجلس النواب الليبي، في 20 تشرين الأول/أكتوبر، على مذكرة التفاهم البحرية الموقّعة بين طرابلس وأنقرة عام 2019، وهي خطوة أثارت اعتراضاً مصرياً حاداً، من دون أن تنعكس على مسار التعاون المتصاعد بين البلدين.
خلاف بحري مستمر
تتيح مذكرة التفاهم التركية–الليبية تحديد مناطق الصلاحية البحرية بين البلدين، بما يرتبط بحقوق استكشاف موارد الطاقة، وخصوصاً الغاز الطبيعي، في شرق المتوسط.
وجددت مصر اعتراضها على الاتفاق عقب تصديق البرلمان الليبي عليه، واعتبرته "باطلاً بطلاناً مطلقاً" ومعدوم الأثر القانوني. واستندت في موقفها إلى تعارضه، بحسب بيان وزارة الخارجية، مع مبادئ القانون الدولي للبحار واتفاقية الأمم المتحدة لعام 1982، معتبرة أنه يمسّ حقوقها السيادية في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري.
ورغم هذا الخلاف، تتواصل خطوات التعاون العسكري. فقد شاركت القوات الجوية المصرية والتركية، إلى جانب أذربيجان، في مناورات "نسر الأناضول 2026" خلال حزيران/يونيو، تلتها تدريبات "النسر الذهبي" في تموز/يوليو، بمشاركة قوات المظلات والصاعقة المصرية والقوات الخاصة التركية.

مصالح تتجاوز الخلافات
يرى نائب رئيس تحرير "مجلة الديمقراطية" بمؤسسة "الأهرام" كرم سعيد أن "ما يجمع تركيا ومصر أكثر مما يفرقهما"، مشيراً في حديث لـ"النهار" إلى أن حجم التجارة بين البلدين يقترب من 9 مليارات دولار، مع استهداف رفعه إلى 15 ملياراً خلال الأعوام المقبلة.
ويشير سعيد إلى تنسيق ديبلوماسي لافت في إدارة الأزمات الإقليمية، ظهر في المواقف من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة والحرب الإسرائيلية على إيران.
ويمتد هذا التنسيق، بحسب سعيد، إلى الساحة الليبية، حيث تدعم القاهرة وأنقرة تأسيس جيش ليبي مشترك وبناء نظام سياسي يشارك فيه مختلف الفرقاء. ويستشهد بالانفتاح المصري على غرب ليبيا، في مقابل الانفتاح التركي على شرقها.
ويلفت إلى استمرار الاتصالات السياسية الرفيعة، موضحاً أن وزير الخارجية المصري زار تركيا بعد أيام قليلة من تصديق البرلمان الليبي على الاتفاق البحري، للمشاركة في اجتماعات ديبلوماسية متعددة الأطراف.
وتشير هذه التطورات، في تقديره، إلى أن الدولتين باتتا قادرتين على الفصل بين خلافاتهما القانونية والبحرية وبين المصالح الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية المشتركة.

شراكة تتجاوز الأزمات
من جهته، يعتبر المحلل السياسي التركي الدكتور بكير أتجان، في حديث لـ"النهار"، أن التحولات الجيوسياسية والأمنية والاقتصادية في الشرق الأوسط تدفع القاهرة وأنقرة إلى إعادة صياغة علاقتهما على أسس استراتيجية تتجاوز الخلافات السابقة.
ويعتقد أتجان أن مناورات "بحر الصداقة 2026" تحمل دلالات سياسية تتخطى أهدافها التدريبية، خصوصاً في توقيتها الذي يأتي بعد تجدد التباين بشأن الحدود البحرية.
ويشير إلى المفارقة المتمثلة في اعتراض القاهرة على الاتفاق البحري التركي–الليبي، بالتزامن مع استضافتها القوات البحرية التركية، معتبراً أن ذلك يعكس "نضجاً نسبياً في إدارة العلاقات الثنائية"، وإدراكاً متبادلاً لضرورة منع الخلافات المحددة من التحول إلى مواجهة استراتيجية شاملة.
وكانت العلاقات بين البلدين قد دخلت مرحلة من التوتر الحاد عقب إطاحة حكم جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر عام 2013، قبل أن تبدأ مساعي المصالحة عبر اتصالات استمرت أشهراً، وتتسارع لاحقاً في ظل التحولات الإقليمية التي أعقبت أحداث 7 أكتوبر.
ومع عودة الزيارات الرئاسية والاتصالات الديبلوماسية، توسّعت مجالات التعاون لتشمل الأمن والتصنيع العسكري والتدريبات المشتركة.
وتقدّم مناورات الإسكندرية مؤشراً إضافياً إلى هذا التحول، في وقت لا تزال فيه ملفات الخلاف مفتوحة، وفي مقدمها ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط. ويبدو أن القاهرة وأنقرة اختارتا إدارة هذه الخلافات بالتوازي مع تطوير شراكة تتسع مجالاتها، بعدما أدركتا حجم المصالح التي يمكن أن يحققها التقارب بينهما.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
بإطلالةٍ استحضرت تراث الكرك وحملت دلالات التضامن، لفتت الملكة رانيا الأنظار في مراسم خطاب العرش بـ "المدرقة الكركية".
نبض