تونس... ماذا بعد عودة الزخم إلى تحرّك النقابات والمعارضة؟
جمعت المسيرة التي دعا إليها الاتحاد العام التونسي للشغل قوى وطنية ومهنية وحقوقية حول مطالب معيشية وحريات عامة، وتركت أمام منظميها سؤال الخطوة التالية. فبين التمهيد للإضراب العام والدعوات إلى الحوار، تتجه الأنظار في تونس إلى قدرة هذه القوى على إبقاء التنسيق قائماً، ومدى استعداد السلطة للتفاعل مع رسائل الشارع.
وجاء تحرك السبت 17 تشرين الأول/أكتوبر وسط ضغوط اقتصادية ومعيشية، ليجمع أطرافاً تتقاطع مطالبها الاجتماعية والسياسية، من دون أن يعني ذلك اتفاقها على مسار موحد للمرحلة المقبلة.
من المسيرة إلى الإضراب
استعاد المشاركون شعار "شغل، حرية، كرامة وطنية"، الذي رافق ثورة 2011، وفق ما يؤكد نقيب الصحافيين التونسيين زياد دبار لـ"النهار". وتوزعت المطالب بين تحسين الأوضاع المعيشية واحترام الحريات العامة واستقلال القضاء وحماية العمل النقابي والمدني.
وتؤكد عضو نقابة الصحافيين التونسيين جيهان اللواتي لـ"النهار" أن تحركات أخرى ستلي المسيرة تمهيداً لـالإضراب العام، بما يشير إلى اتجاه المنظمين نحو مواصلة الضغط.
وكان الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل صلاح الدين السالمي قد شدد، في كلمته خلال المسيرة، على أن الإطار التنسيقي الذي جمع منظمات وطنية ومدنية ومهنية وحقوقية "لن يكون إطاراً ظرفياً ينتهي بانتهاء هذه المسيرة"، مؤكداً السعي إلى توسيعه والانفتاح على قوى وطنية أخرى.
لكن الحفاظ على هذا التنسيق وتحويله إلى جبهة موسعة يظلان رهناً بقدرة المشاركين على الاتفاق على خطوات تالية، بعدما جمعتهم مطالب مشتركة في الشارع.

رسائل سياسية وقراءات متعارضة
يرى محسن النابتي، عن حزب التيار الشعبي، في حديث لـ"النهار"، أن المسيرة أبرزت أهمية وجود قوى منظمة قادرة على التعبير عن مطالب التونسيين. ومن هنا، يدعو السلطة إلى قراءة رسائلها الاجتماعية والسياسية، معتبراً أن الحوار والانفتاح على المنظمات يمكن أن يساعدا في معالجة الملفات العالقة والحد من الاحتقان.
وفي قراءة النابتي، قد تشكل المسيرة أرضية لإعادة بناء التنسيق بين القوى الوطنية والتقدمية، وربما الدفع نحو حوار وطني أوسع. فنجاحها، بحسب تقديره، يرتبط بتركيبة الحضور ودلالاته إلى جانب عدد المشاركين، ويحمل رسالة إيجابية إلى الأحزاب بشأن إمكان استعادة ثقة الشارع وتعزيز العمل السياسي بعيداً من خطاب إقصاء الأجسام الوسيطة.
في المقابل، يعتبر رئيس حزب المسار محمود بن مبروك، في تصريح لـ"النهار"، أن الاتحاد ابتعد عن دوره الوطني التاريخي وأصبح يتصرف كحزب سياسي. ويشكك في الطابع الشعبي للمسيرة ومدى تعبيرها عن مواقف الشارع التونسي، فيما يقرأ في تأمين التحرك انعكاساً لواقع الحريات وحقوق الإنسان في البلاد، خلافاً للانتقادات التي طرحها المشاركون.
فرصة للحوار وحدود للتوافق
أما المحلل السياسي خالد كرونة، فيصف المسيرة لـ"النهار" بأنها أحد أبرز التحركات التي دعت إليها منظمات وطنية ومدنية احتجاجاً على غلاء الأسعار وتراجع الخدمات العامة، ولا سيما في قطاعات التعليم والصحة والنقل.
ويعدّها "لحظة مشرقة"، بالنظر إلى طابعها المدني والسلمي وعدم تدخل الأمن لمواجهتها. وفي تقديره، يتيح التحرك للمعارضة استعادة جزء من المبادرة السياسية، ويمنح السلطة فرصة لتفادي ترسيخ صورة الاستبداد والدكتاتورية.
ومع ذلك، يتحفظ كرونة عن اعتبار المسيرة إعلاناً عن تغير موازين القوى، ويقرأ فيها مؤشراً إلى حيوية المجتمع وأهمية إتاحة التعبير السلمي عن مطالبه. كما أن استجابة قوى سياسية مختلفة لدعوة المنظمات المدنية لا تعني زوال خلافاتها أو تشكّل جبهة سياسية موحدة، في ظل مشهد لا تزال ملامحه غير مكتملة.
وبين التحضير لتحركات جديدة والدعوات إلى الانفتاح، يتوقف مسار ما بعد المسيرة على قدرة اتحاد الشغل وشركائه على ترجمة المطالب إلى برنامج عمل مشترك، بالتوازي مع استعداد السلطة للتفاعل معه.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
توقيف غامض ونقل إلى سوريا وروايات متناقضة تضع الدولة أمام مسؤولية كشف ما جرى، وسط مخاوف أمنية وديبلوماسية.
نبض