تخيّلوا رأس العين بلا مياه... تخيّلوا بعلبك بلا قلعة!

لبنان 10-06-2025 | 11:23

تخيّلوا رأس العين بلا مياه... تخيّلوا بعلبك بلا قلعة!

لم تعد تعكس شيئاً، لا وجوه ولا سماء. بقيت فقط الحجارة اليابسة، والفراغ الكبير. 'جفاف البياضة ليس جفاف مياه فحسب، بل جفاف روح'،
تخيّلوا رأس العين بلا مياه... تخيّلوا بعلبك بلا قلعة!
فتى ينقذ سمكة تصارع الحياة. (لينا إسماعيل)
Smaller Bigger

في قلب مدينة بعلبك، حيث تنبض الحياة من رحم التاريخ، كانت بركة البياضة في محلة رأس العين أكثر من مجرد تجمع لمجرى مياه. كانت موعداً يومياً مع الروح، ومرآة تُعانق صباحات الناس ووجوه الأطفال، وتحتضن ضحكات العابرين وصوت القهوة وعبيرها العابق قرب ضفتها.

 

أسماك تحتضر في المياه الضحلة. (لينا إسماعيل)
أسماك تحتضر في المياه الضحلة. (لينا إسماعيل)

 

كان المشي على أطراف البركة طقساً بعلبكياً بلدياً، وكانت أصوات البط فيها جزءاً من ذاكرة المدينة. الأطفال يرمون فتات الخبز، والبط يهرع نحوه في سباق بريء، والآباء يلتقطون الصور ويبتسمون. أما العشاق، فكانوا يتبادلون همساتهم على وقع خرير المياه، كما لو أن كل شيء في هذه البركة حيّ ويهمس لهم.

 

جفاف للمياه ولنبض بعلبك.
جفاف للمياه ولنبض بعلبك.

اليوم، توقف الزمن ومات كل شيء. البركة جفّت. لم تعد تعكس شيئاً، لا وجوه ولا سماء. بقيت فقط الحجارة اليابسة، والفراغ الكبير. 'جفاف البياضة ليس جفاف مياه فحسب، بل جفاف روح'، هكذا عبّر ابن المدينة صالح وهبي عن مشاعره العميقة وهو يصف الحال التي آلت اليها .

 

البركة قبل جفافها

 

البركة بعد جفافها

 

 

ويسترجع ذكريات العدوان  الأخير على لبنان، عندما كان يواجه خطر الغارات التي كانت تطبق على المدينة بلا رحمة، ويخرج يومياً لاطعام البط داخل البحيرة، متحدياً كل المخاطر.

قلة المتساقطات، عشرات الآبار العشوائية التي استنزفت المياه الجوفية، والإهمال المزمن... كل ذلك اجتمع ليخنق هذا النبع. لا صوت للبط، ولا قهوة تُشرب على مهل، ولا أطفال يركضون.  تخيّلوا رأس العين بلا مياه... تخيّلوا بعلبك بلا نبض... بلا قلعة!

لكن رغم الحزن، لا يزال هناك بصيص أمل. فقد أثبتت تجربة سابقة أن توقيف تشغيل أحد الآبار أعاد المياه مؤقتاً. الأمل لا يزال يتدفّق، ولو من بعيد... علّه يعود يوماً، فتعود البياضة كما كانت: ضوءاً في ذاكرة المدينة، ونقطة لقاء للحياة.

وسط هذا المشهد الحزين، تحركت قلوب الناس قبل أقدامهم. هرع الأهالي والأطفال إلى البركة الجافة، لا لينظروا بأسى، بل ليفعلوا ما يستطيعونه. فقد غادر البط والأوز موطنهم بحثاً عن ماء جديد، لكن الأسماك بقيت، تختنق في ما تبقى من برك صغيرة ضحلة.

بأيديهم العارية، وبدلاء الماء، حاول الأهالي، كباراً وصغاراً، إنقاذ ما يمكن إنقاذه. مشهد الأطفال وهم يسابقون الزمن لالتقاط سمكة تتلوى على الطين، كان مؤلماً وجميلاً في آن. لم تكن مجرّد محاولة للإنقاذ، بل كانت إعلان حب ووفاء لمكان لطالما منحهم الفرح، وردّ للجميل بطريقتهم البسيطة.

تلك اللحظة، وسط الجفاف، كانت بركةً من الإنسانية.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار بيديا 9/21/2026 11:05:00 AM
نعى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم شقيقه الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي تُوفي صباح اليوم الاثنين، مستذكراً إياه بالدعاء، فيما كان الراحل شخصية بارزة في المجالات الأمنية والرياضية والاقتصادية في دبي، وشغل منصب نائب رئيس شرطة دبي والأمن العام وترأس نادي الوصل.
شمال إفريقيا 9/24/2026 7:22:00 AM
يحتفظ الملك بصلاحيات واسعة في تحديد التوجّهات السياسية وملفات الدفاع والشؤون الخارجية.
لبنان 9/23/2026 8:25:00 AM
المتّهم اعترف بارتكابه هذا الفعل، فيما تستمر التحقيقات بإشراف القضاء المختص لكشف كامل الملابسات والدوافع.
سياسة 9/23/2026 5:45:00 AM

يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟