حوار على طريق الجبل 2

5 تموز 2019 | 00:05

- أرجو أنْ تكون أمضيتَ ليلتكَ بصفاء، على رغم اضطراري إلى إبقاء عينيكَ مبحلِقتَين. لم يكن في يدي حيلة. قلتُ لكَ البارحة أنا محض مأمورٍ أنفّذ التعليمات. خشيتُ إذا أسلستُ لكَ قياد النوم، أنْ تذهب بعيدًا إلى حيث لا يمكنني أنْ أمسك زمامكَ وأستعيدكَ. جوهرُكَ عقلٌ دفينٌ، وهواءٌ مطلق، وماء. جوهرُكَ فالتٌ، هاشلٌ، غيرُ قابلٍ للمصادرة، وهو يقلق كلّ سجّان...

- أعترف لكَ أيّها السجّان، بأنّي كنتُ أتمنّى في أعماقي أنْ أظلّ جوهرًا، وأنْ أظلّ أفلتَ في البراري المفتوحة على اللاعودة، عقلًا دفينًا، وهواءً مطلقًا، وماءً لا ينضب. كان الليل أبيضَ طويلًا كأنّه أبد. إذا الجفن لم ينضم على جفن، أيعقل أن يكون ثمّة نوم؟ مستحيل أنْ يغفو امرؤٌ بعينَين مبحلِقتَين، فكيف إذا كان هذا المرء ينوء تحت هواجس بلدٍ بأمّه وأبيه؟!

- يؤسفني، أنا سجّانكَ اللدود اللئيم، أنْ أعترف لكَ، يا أرضًا تُدعى لبنان، بأنّ هذا المصير المهين لا يليق بفكرةٍ كفكرتكَ، ولا بمشروعٍ كمشروعكَ. خدّامُكَ هؤلاء، قبائل مشروخة ومتناحرة، وهم ولّادو عصبيّاتٍ وفتنٍ، ومُنتِجو ضغائن وصغائر واستبدادٍ جحيميّ. أنتَ جعلْتَهم أحرارًا وأسيادًا على أنفسهم، وهم لا يستحقّون أن يحلّوا سير حذائكَ. هؤلاء ليسوا مواطنين ولا يصنعون دولةً. مفجعٌ أنْ تكون أقداركَ متورّطةً في هذا المأزق الوجوديّ الذي لا مفرّ منه، ولن يكون فيه خلاصٌ لأحد.

- أستيقظ كلّ صباح، وفي بالي أنْ أصير بلدَ حرّيّة، شاعرًا بالحقّ والعدل والمساواة، وأنْ يكون الإنسان فيَّ مواطنًا لا محض ثغاءٍ في قطيع. لم أعدْ أتحمّل أنْ أظلّ شاهدًا على وجودي المعفّر بضنى الجلجلة. الوعي لا يجرّدني من مسؤوليّة الوعي، لكنّي أريد أنْ أغفو. أنْ أنام. أنْ أفتح بابًا مطلًّا على التخييل. على الوهم. أنْ أهمي. ولِمَ لا: أن أكون غيمةً مفكّكةً في سماءٍ مفكّكة...

- أنتَ عالقٌ ها هنا، جحيمكَ هو خلاصكَ، كمثل أيّوب وسمعان. أهلُكَ عمودُ صليبكَ، والغربان ستفقر عينيكَ المبحلِقتَين. لن يأتي أحدٌ في الليل ليبلسم قروحكَ ويمسح محجرَيكَ بالزيت. أهلُكَ يتسلّقونكَ لا ليُنزِلوكَ عن مهانة العمود، بل ليصلوا إليك. أهلُكَ غربانُكَ، يا لبنان.

- أأكفر فأصرخ مستنجدًا: أريحوني من جوهري، ومن عينيَّ المبحلِقتَين. لم أعد أريد ذاتي. حرِّروني من جسد أحلامي. أمنيتي أنْ أُجَنّ، فأتشرّد حرًّا وحيدًا وملعونًا في الأرض. وحين تُرفَع الأيدي عنّي، قد أعود لتنضمّ عظامي على عظامي تحت التراب...

- بهاؤكَ الروحيُّ مقتلُكَ يا لبنان. ستظلّ منصوبًا على عمود، لأنّكَ نورٌ ساهرٌ على جبل. وستلاحقكَ عيناكَ المبحلِقتان إلى ما بعد القبر. وستشهد بعينيكَ هاتين، كيف برمّتكَ، تُنتَحَر على الدوام، وبلا هوادة، على أيدي زبانيّتكَ. وسترى بعينيكَ، أبناءكَ لا يتورّعون عن إثمٍ ولا عن معصية. ألستَ أنتَ الأمّ التي يقتلون زوجها ليعشقوها. ألستَ أنتَ التي يغتصبونها، لينجبوا منها ذرّيّةً لا ينقطع نسلُها مع توالي الحقب والأعمار؟! ملعونٌ نسلُ هؤلاء. بل ملعونٌ جوهرُكَ لأنّه يأبى إلّا أنْ يحتضن هؤلاء. عبثًا يُنادى بجوهركَ يا لبنان. لا أحد يستحقّ هذا الجوهر.

- أيّها السجّان، دعْ عينيَّ مبحلِقتَين. لا بدّ من أنْ أموت. لكنّي بتٌّ أريد بعد هذا الليل، أنْ أظلّ أرى ما بعد موتي. هاتِ خلًّا لأشرب. واطْعَنّي برمحكَ المسموم. ولينزّ دمي. ولتشرب شعوبي هذا الدم، لعنةً عليها إلى الأبد. أمّا جوهري فيستحقّ أنْ يُحفَظ عقلًا دفينًا، وهواءً مطلقًا، وماءً لا ينضب. إلى أنْ يحبل هذا الجوهر بماء ذاته، كنورٍ ساهرٍ على جبلٍ من نور. وكأمٍّ موعودةٍ بالخلاص، سيكون لبنان أمًّا، وسيشرق فجره في لحظةٍ خارقة، كجرفٍ نازلٍ من عل، ليغتسل بالبحر. أيّها السجّان، هات موتكَ النقيّ والطيّب، لكي لا يبقى لهؤلاء مقامٌ من بعدي. لا خلاص لي إلّا بموتٍ كهذا. بصيصُ النور الساهر على جذوته، سينجب، ولا بدّ، برق أولاده في اللحظة المفارقة.

■ إقرأ مع هذا النص "حوار على طريق الجبل"، جزءًا أوّل، السابق نشره في "النهار".

akl.awit@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard