رسالة عبدالله وماري-جو الى الحسن عبر "النهار": تسجيل زواجنا يثبت أنسنة الوزارة

4 تموز 2019 | 05:45

من الصعب أن تلتقي العروسين عبدالله سلام وماري-جو أبي ناصيف في مكان إقامتهما في رأس بيروت، ولا تقيم مقارنة وأنت تنظر اليهما مرتديين الأبيض وفي خلفية غرفة الاستقبال بحر بيروت، بين مشهد نابض بالانفتاح والتطلع نحو الانسانية والحقوق والمواطنة، ومشهد الرصاص والضحايا ودخان الإطارات وتصريحات السياسيين "الكانتونية" المسيطرة على يومياتنا. ما قام به عبدالله وماري-جو في 15 حزيران الماضي لا يقل عن فعل سياسي، حين قررا وخططا ونفذا احتفائية زواجهما المدني العلنية في قصر سرسق، وسط حضور اجتماعي لافت، وقد أتمّ العقد رئيس مجلس كتاب العدل جوزف بشارة. في كل ذلك، كان القانون حاكماً خطى المحاميين العارفين بأصول القوانين التي تتيح لهما عقد زواج مدني في لبنان، لكونهما قد شطبا الاشارة الى قيدهما الطائفي. "بالطبع يعتقد الجميع أنه كان في امكاننا الزواج في الخارج بسهولة، لكننا نرى زواجنا في بلدنا تأكيداً لحقنا كأفراد ولفعل المواطنة وتكريسه"، تبادر العروس الجميلة التي تجمع بين مهنة المحاماة وموهبة الغناء الأوبرالي. ويلاقيها عبدالله الذي عايش عن كثب "ثورات" تغييرية محدودة في بيروت تعتريها الأحلام والخيبات، وانحاز اليها منذ مطلع الشباب والتكوين الفكري. ابن البيت البيروتي العريق شطب القيد الطائفي عام 2014، وهو لا يرى تعارضاً بين الحفاظ على خصوصيات الجماعات واعتراف الدولة بحقوق الأفراد الذين اختاروا شطب القيد الطائفي.

آثر المحاميان المكوث في بيروت وانتظار تسجيل عقد زواجهما في وزارة الداخلية على السفر لقضاء شهر العسل. في ثنايا كل هذا المسار، يظهر التزام أخلاقي عميق، بعيدا من حس المغامرة. التفاصيل القانونية والوثائق الكثيرة التي حضراها في "غرفة عمليات" تشهد على تصميم الذهاب الى النهاية في قضية تحصيل الحقوق الشخصية. لسان حالهما يرفض أن تكون مديرية الأحوال الشخصية عائقاً أمام هذه الحقوق اليوم. ببساطة، ما يجري هو أنّ الثنائي أتمّ إجراء العلم والخبر وجرى تسلّم طلب تسجيل الزواج في سجل الوارد في وزارة الداخلية. جزء من المعاملة الادارية سلك، وهناك توقيع موظف من الوزارة على ورود الطلب، ولكن حتى الآن تظهر عرقلة متعمّدة لوصول الطلب الى سجل التنفيذ من المديرية العامة للأحوال الشخصية. ولا يمكن أن تكون وزيرة الداخلية والبلديات ريا الحسن على غير علم بهذه المخالفة، ومن هنا فإن المطلوب منها الإيعاز بوقف عرقلة معاملة إدارية تستوفي الشروط القانونية المطلوبة. وهذا الايعاز لا يحتّم على الوزيرة اتخاذ قرار بالسماح بعقد الزيجات المدنية لشاطبي القيد في لبنان. فالخطوة سبق لوزارة العدل ممثلة بالهيئة العليا للاستشارات أن حسمتها. الوزيرة هنا مرة أخرى في موقع من يطبق القانون الذي رفعته شعاراً، وأضافت اليه أخيراً شعار أنسنة الوزارة. وأي أنسنة أكثر من الاقرار بحق الافراد بحرية المعتقد، وهو الأمر الذي شدد عليه أيضاً رئيس الجمهورية العماد ميشال عون قبل أيام؟. لا خسائر في وزارة الداخلية بقدر كمّ المكاسب المستقى من اقتران القول بالفعل وتطبيق القانون. هنا يبدو عبدالله حاسماً في مقاربته التي يحوّلها رسالة الى الوزيرة الحسن، فـ"ثمة حاجة الى الفصل بين مسار الجدل حول إقرار الزواج المدني الاختياري في لبنان والذي يتطلب حواراً مع الطوائف والمجموعات، وحقّ اللبنانيين شاطبي القيد الطائفي في عقد زيجاتهم المدنية على الاراضي اللبنانية. ولا يجوز الاعتداء على حقوق هذه الفئة من اللبنانيين".

والحال أن وزارة الداخلية منذ ولاية نهاد المشنوق، لم تنقل تسجيل الزيجات المدنية التي وردتها (والتي دُوِّنت في "سجل الوارد") إلى "سجل التنفيذ" الذي تصدر على أساسه إفادات الزوجين (لاسيما إخراج القيد العائلي)، مُخلّةً بذلك بقانون قيد وثائق الأحوال الشخصية. وفي رأي الثنائي، ان هذه العرقلة تشكل خرقاً للقوانين الإدارية وتقوّض ثقة المواطن بمؤسسات الدولة.

وقد باشر الزوجان يوم الثلثاء ١٨ حزيران تسجيل زواجهما في دائرة الأحوال الشخصية في وزارة الداخلية التي قامت بختم وثيقة الزواج وإمضائها وتسجيلها في "سجل الوارد". ثم أحالتها، وفق ما تقتضي القوانين، على مأمور نفوس الزوجة لمطابقة قيدها. في اليوم نفسه، قام مأمور نفوس الشوف بمطابقة القيد وختم الوثيقة. ويوم الأربعاء ١٩ حزيران، عادا إلى دائرة الأحوال الشخصية في بيروت لإتمام تسجيل وثيقة الزواج في "سجل التنفيذ". عندها، أبلغتهما رئيسة دائرة نفوس بيروت أنها ستحيل الملف على المدير العام للأحوال الشخصية الياس الخوري.

ورغم أن القانون يلزم مأمور النفوس في وزارة الداخلية تسجيل عقد الزواج في سجلاته خلال ٢٤ ساعة من تسلمه العقد (المادة ٢١ من القرار التشريعي ٦٠ ل.ر.) وإصدار الإفادات الناتجة من العقد، لم يتم بعد نقل وثيقة زواج عبدالله وماري-جو إلى سجل التنفيذ، وحجِبت الأوراق الثبوتية عن الزوجين. "لن ينفد صبرنا"، تحسم ماري-جو متوجهة الى الوزيرة الحسن: "أنت وزيرة جميع اللبنانيين ونراك مؤتمنة على أنسنة وزارة الداخلية كما قلت، وعلى تطبيق القانون ممارسة لا شعارا".

diana.skaini@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard