ريمون جبارة إيّاك أن تطيل المكوث هنا

26 حزيران 2019 | 02:30

تمثال ريمون جبارة بعد إزاحة الستار عنه. (مروان عساف)

أزيح الستار في معهد الفنون الجميلة، فرن الشباك، عن تمثال برونزي لوجه المخرج المسرحي الكبير ريمون جبارة، خلال احتفال أقيم هناك بعد ظهر أمس، وسط جمعٍ ضمّ إلى عائلة الفنّان الراحل، عددًا جليلًا من المسرحيّين والفنّانين والكتّاب والشعراء والصحافيّين والأساتذة والطلاب والأصدقاء. ألقيت في المناسبة أربع كلمات لكلٍّ من مدير المعهد انطوان شربل وعميد كلية الفنون محمد الحاج والنحات رودي رحمة صانع التمثال وغابي، شقيق جبارة. واختتم الحفل بكوكتيل.

كنتُ في جملة صديقاتٍ وأصدقاء غفيرين ضاق به أحد الأروقة حيث أقيم الاحتفال، الذي أخذني توًّا إلى ريمون جبارة، المخرج والممثّل والكاتب، وإلى مواهبه الفنّيّة الخلّاقة، فرأيتُني أعيش عبثه الحياتيّ الوجوديّ، لا فحسب مسرحه العبثيّ، الذي كان قادرًا على تلخيص الهجس الإنسانيّ في أعمق أوجاعه وأنين طبقاته الدفينة.

وقد جعلني الاحتفال هذا، أنظر بجموع عينَيَّ الموجوعتَين هاتين، إلى ما نحن عليه في هذه الأحوال الوطنيّة الممتازة، فقلتُ في نفسي، ما أشدّ حاجتنا إلى شخصٍ من طراز ريمون جبارة. إذ ليس مثل هذا الرجل مَن يعرف كيف يُخرِج عملًا مسرحيًّا راهنًا، فاقعًا في واقعيّته المرّة، ملحميًّا، ساخرًا، عبثيًّا، هازلًا وجدّيًّا في الآن نفسه، خشبتُهُ البلادُ في مجملها، والسياسيّون (ورجال الدين طبعًا) في مجملهم، والناسُ هؤلاء في غالبهم الأعمّ.

كان ليكون في إمكاننا أن نضحك (!؟) كثيرًا على أنفسنا، حتى نفقع ونموت من فرط الضحك المُعتِم، الذي لا بدّ من أن يستولي علينا، ويُدخِلنا في الهلوسة المفضية إلى التهلكة المميتة.

كنتُ على يقينٍ حادّ من أن في مقدور موهبة ريمون جبارة أن تفعل بنا هذا الفعل الدراميّ، بصدقٍ مهيب، وبخيالٍ فظيع، وبلؤمٍ عظيم، وبأوجاعٍ جمّة، وبمبضعٍ سوداويٍّ مغمّسٍ بدماء المسرح العبثيّ، المضفور بأحشاء الفكاهة المرّة والوخز والضحك الجنونيّ واليأس المتلّوي فوق جمرٍ عميم.

هذا كان من شأنه، على رغم حلكته المضنية، أن يفرّج عن القلوب التي تغتصبها حقاراتٌ سياسيّةٌ ومجتمعيّةٌ عموميّة نستحمّ في خضمّ ماخورها العموميّ.

يجب أن نعود قليلًا إلى ريمون جبارة، إلى مسرحه، إلى إخراجه، إلى نصّه، من أجل أن نرى جيّدًا ما نحن فيه من عبثٍ سياسيّ وسلطويّ جائر، فاق كلّ حدّ وكلّ طور.

لولا الخشية من البهدلة التي تتقن القيام بها هذه السلطة السياسيّة الجائرة، وأزلامها المرضى بذواتهم الرخيصة، ولولا التحفّظ عن عدم التعرّض للإهانة، لكتبتُ ما يليق بهذه الجمهوريّة، وبحرّاسها، وأذيالها.

أما وقد جئتَ لتحضر الاحتفال يا صديقي ريمون، ففي إمكانكَ الآن أن تعود من حيث أتيتَ. لا شيء يستحقّ المكوث هنا طويلًا.

أنتَ في كلّ الأحوال، لم تكن تحبّ التماثيل والنياشين. لذا، يمكنكَ أن تظلّ نائمًا قرير العين. لا شيء – صدِّقني - يستحقّ العودة إلى هنا. محض زيارةٍ عابرةٍ ليس إلّا، لا بأس. أوكي. لكنْ، لا بدّ بعدها، من أن تقفل هاربًا. لا يجوز أن تبقى طويلًا هنا. خذْها منّي: تلفّعْ بدخان سيجارتكَ العبثيّة اللاهية، وَعُدْ من حيث أتيت.

akl.awit@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard