"مذبحة" السائح... الانتكاسة الثقافية العربية لم تبدأ معها ولن تنتهي بها

9 كانون الثاني 2014 | 00:00

آثار الحريق في مكتبة السائح. (الارشيف)

لا يمكن عاقلا اكرمه الله بعقل في رأسه ان يقف موقف المتفرج على "المذبحة الثقافية" التي تعرضت لها مكتبة "السائح" قبل ايام في طرابلس. ليس لان المكتبة تعود الى رجل دين مسيحي، معروف في محيطه بالمسلم الارثوذكسي، وعلى علاقة فكرية وثقافية اكثر من ممتازة باصحاب العقول في المدينة، وليس لان السبب هو اتهام الاب الوقور ابرهيم سروج بكتابة، ونشر نصوص تسيء الى نبي الاسلام هو محض افتراء تبينت حقيقته منذ اعلانه والترويج له، لان من يعرف الاب سروج يعلم انه امام رجل دين مسيحي يحب الاسلام ورسوله اكثر من كثير من المسلمين، وليس لان السبب تجاري كما بدا يتضح اذ تشير المعلومات ان احراق المكتبة حصل على خلفية تجارية، بل لان الخطورة تكمن في ان هناك من يسعى جاهدا لالغاء فكرة العلم والثقافة والمعرفة من النفوس، ليزرع مكانها اشواكا من الجهل الذي يؤدي مباشرة الى التهلكة على كل المستويات.

هذا الحدث لا يمكن ان يقرأ لذاته منفردا عما يحدث في الوطن العربي ككل، حيث باتت نسب الامية حوالي 30%، اذ جاء في تقرير لـ"المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم" (الاسكوا) ان "عدد الاميين في المنطقة العربية، في عام 2013 بلغ 97,2 مليونا من اصل حوالي 340 مليونا، اي 27,9 في المئة من مجموع السكان". ونسب الاصدارات تكاد تضمحل، اما القراء والمهتمون فتكاد نسبتهم لا تزيد على 10% في احسن الاحوال، نصفهم يهتم ليقال عنه مهتم، وقد اخبرني صاحب دار نشر شهير جدا في لبنان، ان غالب من يبتاعون الكتب في المعارض التي تقام في الخليج، لا يسألون عن مضمونها بدرجة ما يلفتهم اخراجها الفني وتجليدها الحديث. يسرعون الى شرائها لتزيين المكتبة بها لا غير. امام هذه النسب الكارثية وهذا المشهد الصادم تصبح "فكرة احراق مكتبة في طرابلس" مسألة أكثر من عادية. هذا إذا لم نضف الى كل ما ذكرنا بروز مجموعات متشددة فكرياً لا ترى في غير ما تتبنى من عقيدة طريقاً للنجاة، وسبيلاً للعيش، وفي ظل وجود جماعة تعاني "الارتخاء الفكري والثقافي" سلمت بكل ما هو مطروح على الساحة الفكرية، وأخذته كما هو لأنه مغلف بالمودرن، من دون أن تتكبد عناء تمحيصه وتقييمه ونقده.
الانتكاسة الثقافية الطرابلسية والعربية، لم تبدأ مع احراق مكتبة الأب سروج، ولن تنتهي بها، بل انها جزء من مسلسل قد يطول أمده، أن لم تطلق الثورة الثقافية والفكرية والعلمية، لتنتشل العالم العربي من أودية الجهل التي يحفر لها كثير من أصحاب المشاريع المشبوهة. هؤلاء يحبذون بيع الوجبات السريعة التي تحدث تخمة جسدية وخواء فكرياً، أكثر من بيع المعرفة التي تمنح الانسان مفاتيح للتنقل بين أروقة العالم المتنوّع والمتعدد بسرعة هائلة وبأقل قدر من الوجبات الغذائية السريعة.
وفعل الإحراق ليس غريباً عن تاريخنا العربي، فنحن نحرق أفكاراً بالية وأشياء استعملت وانتهت مدة صلاحيتها، وكل من يخالفنا الرأي نحرق جسده في عملية اغتيال مدروسة بدقة متناهية، ولكن عندما نجرؤ على إحراق مكتبة فهذا معناه أننا نريد الانسلاخ عن ثقافة معينة، نريد احداث شرخ كبير بين مضمون هذه الكتب وبين ما نعيشه في حياتنا اليومية، وهذا الفعل كفر بواح في كل الاديان، لأن اي دين لو أتى كافراً بالدين الذي قبله، أو مستعدياً له كل العداء، ورافضاً كل ما أتى به من علم ومعرفة وضوابط أخلاقية وقيم إنسانية، لما كان استحق أن يتبع، وأن يقاتل لأجله ضد من يحورون مفهومه، ويكيفون مندرجاته وفقاً لمصالحهم التجارية والذاتية.
البعض في طرابلس هاله ما جرى للمكتبة، فأخذ يتضامن مع الأب سروج (والتضامن في مثل هذه الحال تحصيل حاصل، لأن المصيبة الثقافية أصابت كل من لا يزال في رأسه عقل يعمل ويريد الإبحار أكثر في غياهب العلم والمعرفة والتفكّر)، ويطلق عبارات لا يدري حقيقة معناها ولا صيرورتها، من نوع أن طرابلس سرقها الإرهاب وأخفى هويتها الحقيقية وأن المقصود مما جرى ضرب التعايش المشترك بين المسلمين والمسيحيين، كأن المسلم الذي يحرق مكتبة يزيد فيها عدد الكتب الإسلامية على المسيحية يهتم للتعايش مع الآخرين أولاً، وثانياً وهو الأهم، يهتم لما تحويه هذه الكتب من تعاليم تحض على احترام عقائد الآخرين ومجادلتهم بالتي هي أحسن.
القضية أكبر من ذلك بكثير، والتفكير بها من هذا المنطلق على صحته، تفكير سطحي لا يلامس جوهر المشكل الحقيقي المتمثل بحالة الخواء الفكري الذي يعيشه العالم العربي برمته، عندما يكون لديك أكثر من عشرين مليون عربي لا يجيدون القراءة، فهنا الكارثة، المكتبة في أي وقت يمكن إعادة طبع كتبها، وترميمها وإرجاعها أفضل مما كانت، لكن هؤلاء كيف ترمم لهم عقولهم؟ وتعيدها كما خلقها الرب حيوية قادرة على الحركة؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard