هل "الآرامية" على طريق الزوال؟ لغة المسيح مهدّدة بالاندثار في معلولا السورية

29 نوار 2019 | 07:00

ينكبّ جورج زعرور على مراجعة كتاب قديم ويدقّق عبر عدسة مكبرة في كلمات مخطوطة باللغة الآرامية ثم ينقلها إلى الورق في محاولة لحفظها بعدما باتت لغة السيد المسيح التي لا تزال تستخدمها بلدة معلولا السورية، مهددة بالاندثار.

ويقول زعرور (62 عاماً)، وهو أحد آخر خبراء اللغة الآرامية وموثقيها في سوريا لوكالة "فرانس برس"، "اللغة الآرامية تحتضر، تتألم وتتحسّس الخطر".

ويحذّر من أنه "إذا بقي الوضع على حاله، فسنشهد انقراض اللغة الآرامية خلال خمس أو عشر سنوات".

في متجره الصغير، حيث يبيع الأيقونات الدينية والصلبان، يحتفظ المدرّس الذي غزا الشيب شعره بمخطوطات ومراجع متعلقة باللغة الآرامية، انهمك خلال السنوات الماضية في جمعها. ويقضي أيامه في دراستها وترجمتها إلى اللغة العربية، بعدما ألّف حوالى 30 كتاباً عن تاريخ اللغة الآرامية. وتعود بدايات هذه اللغة السامية القديمة، المعروفة بكونها لغة المسيح كما يردد سكان معلولا فخورين، إلى القرن العاشر قبل الميلاد. وتُعدّ معلولا من البلدات القليلة في الشرق الأوسط التي لا تزال تستخدم هذه اللغة. وتقع البلدة المعروفة بآثارها القديمة ومغاورها المحفورة في الصخر، في منطقة القلمون الجبلية على طريق استراتيجي يربط لبنان بدمشق. ويعود تاريخها الى العصور الأولى للمسيحية.

قبل اندلاع النزاع في منتصف آذار 2011، كانت القرية وجهة يزورها سياح من أنحاء العالم لسماع لغة المسيح تتردد في أزقتها. وكان عدد سكانها أكثر من ستة آلاف نسمة، غالبيتهم من الكاثوليك الذين يتحدثون اللغة الآرامية. إلا أن غالبيتهم فروا ومع وصول النزاع إليها في 2013، وسيطرة فصائل معارضة ثم جبهة النصرة عليها. وخطف مقاتلون من جبهة النصرة حينها 13 راهبة لأشهر قبل أن يفرج عنهن في إطار عملية تبادل مع مقاتلين معارضين معتقلين لدى النظام. وفي منتصف نيسان 2014، استعادت القوات الحكومية السيطرة على البلدة، إلا أن غالبية السكان ممن نزحوا إلى دمشق أو لجأوا إلى الخارج لم يعودوا إليها، ويقدر عدد سكانها حالياً بنحو ألفين فقط.

يشرح زعرور أن "80 % من سكان معلولا (اليوم) لا يتكلّمون الآرامية، في حين أن أعمار البقية التي تتكلمها فوق الستين عاماً". ويقول: "كانت أجيالنا السابقة تتعلم اللغة الآرامية قبل العربية، وتقول أولى كلماتها بالآرامية. أما أجيال الحرب، فقد ولدوا خارج معلولا، وتعلم أولادها العربية أولاً".

إضافة إلى توثيقه وتأريخه للغة الآرامية، أشرف زعرور على عدد من رسائل الماجستير والدكتوراه حول اللغة الآرامية في جامعة دمشق. كذلك، ساهم في عام 2006 بتأسيس معهد في معلولا لتدريس الآرامية، أغلقت أبوابه مع بدء النزاع. ويقول مختار البلدة إلياس ثعلب الذي تجاوز الثمانين، "أعتقد أن جورج زعرور هو المدرّس والموثّق الوحيد للغة الآرامية في سوريا"، مشيراً إلى أن هناك "بعض الأساتذة، صغار السن، يحاولون أن يتعلّموها، لكن زعرور الوحيد القادر على التبحّر فيها".

يتحدث المختار العجوز، ويقول: "لأكثر من ألفي عام حملنا في صدورنا وعلى ألسنتنا لغة السيد المسيح، ونحن من أواخر الناس على الأرض ما زلنا نتشرف بهذه اللغة"، من دون أن يخفي خشيته من اندثارها. وتُعد معلولا البلدة الأشهر من أصل ثلاث في محيط دمشق لا يزال سكانها يتحدثون الآرامية. ويتكلم سوريون مسيحيون في شمال شرق سوريا اللغة السريانية المنبثقة أساساً من الآرامية.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard