معرض- رندة علي أحمد في "غاليري آرت أون 56": ملوانتها تفاجئ وتتحدى وتزعج وتفوز باللوحة الناجحة

8 كانون الثاني 2014 | 00:00

(سامي عياد)

تعرض الفنانة اللبنانية رندة علي أحمد مجموعة من الاعمال الفنية العملاقة في "غاليري ارت اون 56"، الجميزة، إلى 11 كانون الثاني 2014)، فتفاجئنا، كما في كل مرة، بجديدها غير المألوف، وهو اليوم لوحات مسكونة بتخطيطات أفقية وعمودية، وتضليعات متفرقة تولد شيئاً من الهلوسة اللونية المتلاحقة حتى اللانهاية، فتطال المكان الواقعي وتتماهى مع التوقعات الهندسية الافتراضية والذهنية.

في توليفة واحدة تحاذي اللوحات الكبيرة والصغيرة تماثيل مصبوبة في مادة مونوكرومية موحدة كأنها منحوتات طفولية تم افرازها لتكون شاهداً لما يعرض من حولها من مزروعات موحدة طبيعية حيث تنمو "قنبيطة" صغيرة كأنها لفتة فرحة تأتي بالأمل على رغم ما تعيشه المنطقة من تفاصيل مرعبة ومنبئة بكوارث انسانية وجغرافية هائلة. في جوار هذه التآليف المنجزة بدقة وبوعي فائقين، نجد كرتونات صغيرة مرمية على الطاولة حيث يجلس المسؤولون، وهي نسخ مصغرة لما تخبرنا الكبيرات من مثيلاتها الفاقعة الالوان كأنها تود ان تغتصب النور من عيوننا لالصاقها بوقاحة اكبر بما ورد في اللوحات المعلقة على جدران الصالات العديدة.
لا تتنازل الفنانة عن استعمال الانابيب ذات الصبغات الفاقعة، متقابلة او متلاحقة، ضمن خطوط شبه متوازية تشد الخناق على قضبان او شرائط معادة عشرات المرات. انها تحبس عملية التفتيش عن متنفس يوصلها الى الانفلات من الترداد وبلوغ الفضاء الذي يقيها الاختناق والزوال. فبدل ان نرى الارض المسطحة التي تنمو فيها الازهار البرية والنباتات الفتية فوق عشب تغسله عند الفجر نقاط قليلة من الندى المنعش، نجد مسطحات عمودية لا تأبه لأهمية الجاذبية الطبيعية للاشياء. واذا انقلبت المعطيات، نمت صور مصغرة لمولدات مجهولة تتلاحق كنمش على وجه طافح بالحيوية والديناميكية. ومن اجل المتابعة المنطقية للمشهد، تقيم الفنانة توجهاً مماثلاً للتقسيمات الهندسية حيث الاثلام المزروعة توزع الفرح بأزهار صغيرة محددة الملامح ونابعة من تصميم جدي في خلق مساحات متحولة في قياساتها انما يعاد توزيعها وفق هندسة محسوبة لتكون في النهاية قابلة للبهجة ومكتفية بما تشكله من باقات مزهوة لها وقعها الايقاعي اللوني. في مقابل هذه التآليف المنهجية تخطيطات لمناظر خاصة بتصوراتها للمناخات الطبيعية، فتزرعها بالأشجار والفسحات المتوازية التي تحافظ على المشهد الحي بما يسكر العين عندما تمر مسرعة في سيارة تهدف الى الاقتراب من برية غزت الطفولة والذكريات البصرية.
لا ندري إن كانت ملوانة علي احمد نابعة من مواقع طبيعية لا تعرف الخريف ولا العواصف ولا حتى الموت. كأنها في حالة لونية مشرقة افريقية واسيوية تجهل الظلام وتسكر على مفاتيح التموجات التي تروي صفحات من صور كانت تغذيها تعليقات التلفزيونات المحلية او العالمية. الفنانة من الجيل الذي يتابع التحولات في الفضاء وفي الارض وفي يوميات الشعوب اينما كانوا. تعاطيها من خلال الالوان والخطوط مع ما يحدث، يجد تجاوباً لدى الجمهور الذي يتابع مسيرتها الفنية حتى في اصعب لحظاتها التأليفية وتصوراتها للتحولات المشهدية والانسانية والحياتية في اسفل مستوياتها وفي اعلى انجازاتها. رندة علي أحمد فنانة لا تراعي ذوق الجمهور. انها تؤلف. انها تتحدى. انها تشهد. وعلى كل متلقٍّ ان يختار ما يعجبه وما يزعجه. فهي تزعج وتتحدى وتواصل طريقها من دون ان تأبه للعراقيل والمآخذ والانتقادات.

laure.ghorayeb@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard