"عريس الكنيسة المارونية" عاد إلى عرينه والآلاف احتشدوا لوداع "بطريرك الاستقلال"

16 أيار 2019 | 03:20

عاد المثلث الرحمة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الى كنيسة سيدة الانتقال المكان الأحب الى قلبه في بكركي بعد وادي القديسين حيث كان يجول ترافقه روح البطاركة والكهنة الذين حفروا بإيمانهم الصخور وحوّلوها بيوتاً لله. دموع امتزجت بالبسمة ونثر الأرز والزهر على عريس الكنيسة المارونية الذي عاش على خطى المسيح. البطريرك السادس والسبعون الذي غادرنا في الشهر المريمي، وصل الى مدخل الصرح البطريركي وسط موكب مهيب من الجيش والقوى الامنية والشخصيات السياسية والكنسية التي رافقته في مسيرته الاخيرة من الاشرفية الى بكركي. رائحة البخور عبقت في اجواء بكركي منذ الصباح لتعلن قرب وصول جثمان مَن ارتبط اسمه بالحرية والسيادة وبالصمود والتواضع.

منذ ساعات الصباح ارتفعت الصلوات في الصرح البطريركي على وقع الاناشيد الدينية. ووسط اجراءات امنية مشددة على طول الطريق المؤدية الى بكركي وصولا الى الصرح، توافد المؤمنون وتلامذة من المدارس الكاثوليكية والكهنة والراهبات والشخصيات السياسية من جميع المناطق اللبنانية ومن جميع الطوائف وانتظروا وصول الجثمان. عيون شاخصة الى المدخل لاستقبال من كان يشغل الداخل والخارج بكلمة واحدة تخرج من فمه. ولحظة وصول الجثمان قرعت اجراس الحزن في كنيسة الصرح، وكان البطريرك مار بشارة بطرس الراعي في مقدّم حشد كبير من الكهنة والمطارنة لمرافقة الجثمان الى داخل الكنيسة. أُخرج النعش الذي يعتليه رأس البطريرك الراحل المنتصب كالرمح كما كان في حياته، وحُمل على الاكتاف مزنّرا بالبخور والورود وحبات الارز التي نثرت عليه. مشى الجثمان مشواره الاخير الى كنيسة الصرح بعدما عزفت قوى الامن موسيقى الحزن والتعظيم والنشيد الوطني. كتف على كتف كما اراد البطريرك الراحل ان يجمع رعيته في اصعب ايام الحرب الاليمة، ساروا به الى الكنيسة التي استقبلته بحجارتها التي اعتادت صلاته النابعة من قلب لم يعرف إلا الحب والمغفرة. وتقدم الجثمان خدّام يحملون صليب الراحل الذي كان يبارك به المؤمنين وعصاته التي كان يحملها كراع صالح قاد سفينته الى بر الامان وطابيته وتاجه. سُجي الجثمان في وسط الكنيسة بلباسه الكنسي الابيض والاحمر، وبدأ القداس الاول عن راحة نفسه بمشاركة المؤمنين الذين كانوا يدخلون لالقاء النظرة الاخيرة. واستمرت القداديس والصلوات حتى منتصف الليل، على ان تستأنف صباح اليوم حتى الساعة الثانية بعد الظهر. وتواصل توافد الشخصيات والمؤمنين لتقديم العزاء الى البطريرك الراعي ولوداع البطريرك الراحل والصلاة امام جثمانه.

ووصل امس أمين سر الكنائس الشرقية الكاردينال ليوناردو ساندري على رأس وفد من الفاتيكان للمشاركة في مراسم جنازة البطريرك صفير.

كما وصل وزير الدولة القطري حمد بن عبد العزيز الكواري، إلى بيروت على رأس وفد، ممثلا أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، للمشاركة في مراسم الجنازة.

النائب فريد هيكل الخازن الذي يُعتبر وفق التقاليد من حماة بكركي، قال لـ"النهار" عقب القداس الاول في بكركي: "برحيل البطريرك صفير خسرنا مجموعة قيم روحية وانسانية، وهو افضل من حمل رسالة الكنيسة المارونية التي تهدف الى وحدة لبنان واستقلاله، وهو من اعظم البطاركة الذين رفعوا راية حماية لبنان. كبيت الخازن خسرنا ابن كسروان الصلب، وكلنا أمل ان يحمل البطريرك الراعي الشعلة بنفس الايمان والصلابة. وفي التقاليد نحن حماة بكركي ونحرسها في انتخاب البطاركة وفي وفاتهم، وسنحافظ على هذا التاريخ العريق، ولذلك واكبنا الجثمان من الاشرفية الى بكركي وسنحرص على ان يكون دفناً مهيبا يخلّد اسم البطريرك في مماته كما كان في حياته".

بدوره، قال وزير الاعلام جمال الجراح لـ"النهار" عقب تقديم واجب العزاء: "خسرنا قامة وطنية واستقلالية طبعت تاريخ لبنان في مسيرة بناء الدولة والمؤسسات، وكان رحمه الله العمود الفقري في عملية ولادة الاستقلال الثاني. طبعا رحيله خسارة كبيرة على ان يستكمل البطريرك الراعي المسيرة المشرقة لكل اللبنانيين ولمصلحة كل لبنان".

النائب جورج عقيص الذي رافق الجثمان ايضا من الاشرفية الى بكركي، اكد لـ"النهار" ان "التظاهرة العفوية التي قام بها المواطنون لوداع البطريرك هي دليل على تقديس اللبنانيين الاشخاص الوطنيين والمتواضعيين وانهم ابناء رجاء، فالبطريرك صفير ليس للمسيحيين فقط بل لكل لبنان، ونحن كقوات لبنانية ندين بالوفاء لهذا الرجل الذي وقف الى جانبنا ايام الوصاية والاعتقال والاضطهاد، وكان القطنة التي تحفر الصخر".

وفي ما خص الاستعدادات لمراسم الدفن، كل شيء اصبح جاهزا في باحة الصرح البطريركي، والتي اشرف عليها مسؤول الإعلام والبروتوكول المحامي وليد غياض. ووضعت منصة كبيرة للمذبح مقابلة للمدخل الداخلي للصرح حيث سيسجى الجثمان في وسطها امام المذبح خلال مراسم الدفن. ونشرت الكراسي في باحة الصرح والكنيسة الخارجية حيث سيجلس المشاركون في المراسم الوداعية. وتقوم مجموعة كبيرة من اللوجستيين كخلية نحل على تنظيم دخول المشاركين وخروجهم، اضافة الى الاجراءات المشددة للقوى الامنية والجيش اللبناني.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard