في وادي قنوبين الضباب يمسي بخوراً... حدثٌ تاريخيٌ

14 أيار 2019 | 04:45

قصة وادي قنوبين لا تنتهي. هي قصة كل من زاره وتركه مثقلاً بالخشوع، مغموراً بالسلام، ممجّداً الخالق وخلقه.

أينما توجهنا في أرضنا وبين جبالها ووديانها، نُذهل وسط كل ما يقابلنا من لوحات رائعة مرسومة بريشة الخالق، ولكن هنا، في عمق وادي قنوبين، حالة الذهول هذه تتخطى المنطق لتلامس اللاوعي وعمق أعماق الروح، حاملة إياها في رحلة تصوّف وتنسّك مع ذاتها وفي حضرة خالقها، لتلتمس النور وتمتلئ سلاماً.

هل هي رهبة صخوره وجباله الشامخة أو هي عمق وديانه وخشوعها الرهيب؟ لربما هو طيفه عزّ وجل وكأنه لا يتوانى من الظهور مع كل بزوغ فجر ومغيب شمس ناشراً البخور في ممرات الوادي المنسية لتفوح وتبارك كل عطاءاته وتذكر بعطاءات المؤمنين وشهاداتهم على مر الأجيال.

كانت هذه المنطقة من المناطق التي انتشرت فيها المسيحية من أورشليم ونقلت معها الأورشليم الخاصة بالقديسين كما أوضح الأب هاني طوق. من "قمة الشهداء" (القرنة السوداء) إلى (جبل المكمل)، مكللاً بأرز مكرس للرب، ومروراً بمزارات القديسين على كتف الوادي وضمنه، وصولاً إلى سيدة الحصن في إهدن.

فأي مكان أجلّ من هذا الوادي لنرفع الصلوات لأمنا العذراء وفي أول يوم من أيام شهرها المبارك. أليست الطريقة الفضلى هي دائماً بإحياء عادات وتقاليد جدودنا والإبقاء على الإرث من جيل إلى جيل. ومن هنا، ارتأت شبيبة البابا يوحنا بولس الثاني أن تكرم العذراء في بداية شهرها بنشاط روحي يجمع أكثر من 15 قرية من القرى الكامنة على كتف وادي قاديشا والتي أصلها من هذا الوادي.

يقع وادي قاديشا في قضاء بشري، شمال لبنان، ويعتبر من أعمق الوديان، على ارتفاع 1500 متر عن سطح البحر، وهو مقسم إلى قسمين، الأول باتجاه إهدن ويعرف بوادي قزحيّا، والآخر باتجاه الأرز ويعرف بوادي قنوبين، وادي القديسين ويشقه نهر قاديشا. وهو معروف بطبيعته البرية الخلابة والغنية بما يفوق الـ 900 صنف من الأشجار والنباتات.

تأسست شبيبة البابا يوحنا بولس الثاني عام 2015 من قبل الأب ريمون عبده، الرئيس الإقليمي للرهبنة الكرملية، متأثرة بحياة البابا يوحنا بولس الثاني الذي كان شغوفاً بالطبيعة ورياضاتها، وبرسالته لجمع الشباب حول الطبيعة وتمجيد خالقها. وتقوم هذه المجموعة بنشاطات روحية، نذكر منها مسيرات دروب القديسين، درب شربل والحرديني والقديسة مارينا وقريباً درب البونا يعقوب والأخ اسطفان. ففي كل عيد قديس يحملون تقادم القداس (خبز وخمر وميّ) سيراً على الاقدام من بيت القديس الى ضريحه.

وبالعودة إلى الأول من شهر أيار وبجهود من الشبيبة وتعاون مع مطران الأبرشية، أقيم إحياء تقليد يعود إلى أكثر من ألف سنة ولم يعمل به منذ أكثر من مئتي سنة وهو يعتبر حدثاً تاريخياً وعرساً مريمياً حيث نزل الرعايا من أكثر من خمس عشرة قرية واقعة على كتف الوادي ومن جميع الأعمار، إلى الوادي عبر دروب القديسين القدامى مرتّلين ومصلّين المسبحة على أربع مراحل. وكل منها كانت تحمل غرضاً من التقدمات للاحتفال بالقداس. ومنها الى حين الالتقاء في دير سيدة قنوبين على دق الأجراس وحيث احتفل بالقداس الإلهي وبعدها صلاة آخر بيت من المسبحة سوياً خلال زياح أيقونة سيدة قنوبين. 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard