كانت تحت اللهب كأنها الكاتدرائية الوحيدة في العالم

18 نيسان 2019 | 06:20

الصورة عن النيويورك تايمز.

من المدهش، كإنجاز متحقِّق سابق للحدث يكشفه الحدث، أن تكون كنيسة هي العنوان العميق الذي تندمج فيه بشكل تلقائي وغير خلافي وتضامني كرامة الدولة الأولى العلمانية وبمعنى ما المعادية للكنيسة مع "الروح الكاثوليكية" لشخصية أكثرية المجتمع الفرنسي؟

"نوتر دام دي باري".

هل هذا الحريق الذي أصاب العالم هو في فرنسا بالذات حريق ثقافي أكثر مما هو ديني حتى لو اندمج الاثنان في تلك اللحظات الحمراء؟ وأكرر: دون خلاف في تلك الليلة الرهيبة التي لن ننساها حتى على التلفزيونات.

ما يعنينا هنا، نحن أهل العالم الذين لم يعد لدينا الكثير من الرموز القديمة الجامعة في الوقت نفسه لمجتمعات وعبقريات وتقاليد وسياسات، أن "نوتر دام دي باري" ستثير لدينا، كما عند أهلها الفرنسيين الأوروبيين، كل قيمة الثقافة الكبرى في العالم، فرعونية الأهرام في مصر المسلمة القبطية، سور الصين الأمبراطوري الكونفوشيوسي الدفاعي في صين شيوعية تهاجم تحديات العصر بنجاح هائل، ورقة الدولار الذي تحمل كلمة "في الرب نثق" في أكبر حضارة مادية شهدها ويشهدها العالم... وغيرها القليل الكثير حيث تتجدد الصلة الهائلة التي لا تدمج الدين بالثقافة فحسب ولكنها في الآن نفسه تجعلهما متباينين، فنرى مع الحضارة الحديثة المسيحي المؤمن والمسيحي غير المؤمن، المسلم المؤمن ولكن في الوقت نفسه المسلم، المسلم جداً غير المؤمن، اليهودي المؤمن واليهودي غير المؤمن. الهندوسي المؤمن والهندوسي غير الديني، البوذي المؤمن والبوذي غير الديني.

"نوتر دام دي باري" التي صدَمَنا بل أرعب فرنسا وأوروبا والعالم حريقها هي بالضبط أكبر من طرفي المعادلة. حتى الكنيسة لا يستطيع الديني أن يحتكر رمزها له وحده كما لا يستطيع غير الديني أن يفعل ذلك طبعاً حتى في الدولة العلمانية الرائدة في العالم التي لا تزال تتعايش مع المدرسة العلمانية الكبرى الأكثر استيعاباً سياسياً للدين وهي المدرسة الأميركية.

لكن فرنسا كأمة - دولة نفسها هي "اختراع للكنيسة الكاثوليكية" كما يقول المثقفون الكاثوليك الفرنسيون. شهدت داخلها أحداثاً سياسية تأسيسية كبرى منذ بنائها في القرون الوسطى حتى تاريخها الحديث. هذا الحريق الرهيب أمس أرسل أو ذكّرنا باللهيب المنبعث من أعلى نوتردام الذي ينعكس مترنحاً على نباتات التلة البعيدة كما تخيّله فيكتور هوغو وكما استعاد كثيرون في فايسبوك هذا المقطع الشهير للكاتب العظيم، أو في كلام أغنية برونو بولليتييه "جاء زمن الكاتدرائيات" "ودخل العالم في ألفية جديدة والإنسان يريد الصعود إلى النجوم ليكتب تاريخه بالحجر أو بالزجاج" من المسرحية الراقصة الشهيرة المستوحاة من رواية هوغو التي تحمل اسم الكاتدرائية.

ليست "نوتر دام" الكاتدرائية الوحيدة في العالم طبعاً. لكن يوم الإثنين الماضي بدت تحت اللهب المرعب وكأنها الوحيدة.

(16-4-2019)

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard