الولايات المتّحدة على خطى لبنان مالياً ومصرفياً... لكن بعد 13 سنة إقرار "قانون فولكر" للفصل بين المصارف التجارية والاستثمارية

31 كانون الأول 2013 | 00:00

بعد 13 سنة، سلكت الولايات المتحدة دربا ماليا ومصرفيا كان سبق للبنان ان حوّلها "إنذارا مبكرا" جنّبه فعليا الوقوع في الازمات التي هزّت العالم، وخصوصا مع ازمة 2008. ففي 11 الجاري، اقرّت السلطات الاميركية "قانون فولكر" الذي يمنع التعامل بالمضاربة على الاستثمارات التي لم يفد منها المستثمرون ابدا.

هكذا، بعد سلسلة أزمات مالية كان آخرها ازمة 2008، أيقنت واشنطن كيف نجح لبنان في تفادي الازمات التي هزّت قطاعات مصرفية ضخمة في العالم، فاستنسخت قانونا كان اصدره مصرف لبنان تعميما مطلع العام 2001. وبعد موافقة الجهات الخمس المنظمة والمشرفة على قطاع المال الاميركي على "قانون فولكر" (بول فولكر رئيس الاحتياط الفيدرالي الذي سبقت ولايته ولايتي آلان غرينسبان وبن برنانكي) الذي لن يبدأ تطبيقه قبل نيسان 2014، باتت المصارف الاميركية في مواجهة تدابير متشددة تتعلق بالمضاربات التي اعتُبرت انها أدت دورا رئيسيا في تفجير ازمة المال العالمية في الفترة الممتدة بين 2007 و2010. فهل تنجح واشنطن في اصابة الهدف؟
منذ 21 شباط 2001، نظّم لبنان "عمليات التسليف والتوظيف والمساهمة والمشاركة" مع التعميم رقم 81 الذي ساعد في ضبط المضاربات ودفع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الى توجيه تنبيهات متكررة الى القطاع المصرفي تفاديا لأي مطبات مالية كان يمكن ان تطيح الانجازات التي حققها وجعله مركز ثقة باداء شفاف ومنتظم. فالتعميم طلب من المصارف "اخضاع عمليات التسليفات والتوظيفات المتعلقة بأموالها النقدية الجاهزة وبالتوظيفات العقارية والمساهمات والمشاركات وبالعمليات المجراة لحسابها على الادوات المالية المركبة او المشتقة، الى موافقة مسبقة من لجنة او لجان متخصصة بوضع الاستراتيجيات الفاعلة لادارة أعمال المصرف ومتابعتها وتطويرها، وذلك على مستوى المصرف أو المجموعة المصرفية، حيث ينطبق".
نائب حاكم مصرف لبنان الدكتور هاروتيون صاموئيليان يشرح لـ"النهار" المراحل التي دفعت واشنطن الى الاستعانة بالاقتصادي بول فولكر بعد 30 سنة على ترؤسه مجلس الاحتياطي الفيدرالي (المصرف المركزي الاميركي)، وهو الذي وضع مسألة التضخم في اولوياته حين كان في منصبه. ويقول انه كان للكساد الكبير في العام 1930 "الذي كانت في مسبباته الاساسية، انشطة المضاربات المرتفعة الاخطار في القطاع المالي ولا سيما التداخل بين المصارف التجارية ومصارف الاستثمار، أثر مدمر على اقتصاد الولايات المتحدة وعلى القطاع المالي تحديدا. ونتيجة لذلك، عانى الاقتصاد على نحو غير مسبوق، مما تسبب بارتفاع حالات الافلاس والبطالة والجوع وكل انواع التدهور الاقتصادي". وفي العام 1033، أقرّت السلطات الاميركية قانون Glass-Steagall الذي قام على 4 ركائز: الاوراق المالية، والمصارف التجارية، والشركات التجارية واوراق الاستثمار المالية.
وقد سارت الولايات المتحدة بهذا القانون طوال سبعينات القرن الماضي وثمانيناته وفق صاموئيليان، "لكن، وبتحفيز من الاداء الجيد للقطاع المالي والاقتصادي لاحقا، غضّت واشنطن الطرف عن انتهاكات تنفيذ هذا القانون من جانب المصارف والمؤسسات المالية. حتى ان الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون قال علنا "ان القانون لم يعد ملائما". وبنتيجة ذلك، ألغيت أحكام قانون Glass-Steagall، ليصدر قانون Gramm-Leach-Bliley في العام 1999 الذي تمتع بمرونة اتاحت لمصارف الاستثمار باستثمار الودائع المصرفية". الا ان ازمة 2007-2008، دفعت الرئيس باراك اوباما الى طلب اعادة النظر بالقانون، واقرّ بدلا منه قانون Dodd-Frank في تموز 2010. "هذا القانون لم يوضح العلاقة بين المصارف، مما دفع اوباما الى الاستعانة بالاقتصادي فولكر ليصدر قانونا سمي باسمه.
الاستشاري القانوني والمصرفي الدكتور بول مرقص قال انه بعد ازمة 2008 المالية، صدرت "قاعدة فولكر" في الولايات المتحدة التي سميت تيمناً باسم بول فولكر الرئيس الأسبق لمجلس الفيدرالي، والتي تحظر على المصارف قبول ودائع واستخدامها للمضاربة لحسابها الخاص. "وتشكل هذه القاعدة جزءاً من "قانون دود-فرانك"، وتمنع المصارف من التعامل بالأوراق المالية، "كذلك ليس في وسع المؤسسات المالية قبول الودائع، وتحظر على المصارف والمؤسسات المالية أن تكون لها مجالس إدارة متداخلة. ذلك أنه من أبرز اسباب الأزمة المالية لعام 2008، دخول المصارف في عدد متزايد من العمليات الخطرة والمخالفة للأصول المصرفية بسبب عدم قدرتها على مراقبة ادواتها ونشاطاتها".
ولفت الى ان هذه القاعدة ترمي الى حماية الافراد من خلال تعزيز شفافية العمل المصرفي "لتقليص تضارب المصالح بين المصارف وعملائها من خلال الفصل بين مختلف العمليات المالية التي تقوم بها المصارف".

ماذا عن لبنان؟
لم يستند مصرف لبنان الى قانون او تعميم سابق كما فعلت الولايات المتحدة (قانون 1933)، بل وفق صاموئيليان، استنبط حاكم مصرف لبنان رياض سلامة تعميما يفصل بين المصارف التجارية ومصارف الاستثمار "كي لا يخسر اي مودع امواله"، مشيرا الى انه اخضع الاستثمار بالاوراق المالية والتوظيفات الاخرى لموافقة مسبقة من المصرف المركزي قبل الاستثمار فيها. وهذا ما جنّب لبنان في رأيه، ازمة الـSubprime الاميركية ومفاعليها التي ترددت في معظم الاقتصادات المتقدمة، وهزّت دول الاتحاد الاوروبي بازمة الديون السيادية قبل عامين.
في لبنان ثمة انواع متعددة من المصارف تتمايز في الادوار التي تقوم بها كالمصارف التجارية ومصارف الاستثمار، يقول مرقص. وهي لا تعاني بالضرورة وبالتوازي من المشكلات التي سببت ازمة 2008 في الولايات المتحدة نظراً الى اختلاف ادوارها. "وتالياً، فإن تطبيق هذه القاعدة على نحو حرفي على جميع انواع المصارف، قد يؤدي الى تعديل العديد من الادوار على صعيد المؤسسات المالية والمصارف، على نحو لا يأتلف مع بساطة وقواعد التعامل المألوفة بين المصارف وعملائها والتوزيع المعتمد من مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف".
صحيح ان الولايات المتحدة لحقت بلبنان بعد 13 سنة، لكن يفترض بمصارف لبنان ان تبقى مؤتمنة على تطبيق التعاميم وتنفيذها بحرفيتها كي لا تقع في اي محظور مالي.

violette.balaa@annahar.com.lb
Twitter: @violettebalaa

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard