سنة 2013: محطات الأزمات والحروب في لبنان والمنطقة - 2013 عام الرهان على الثقة في دعم اقتصاد بلد ينوء تحت ثقل الأزمات أداء المصارف عزّز تدفّق الأموال والتحويلات ورَهَنَ التفاؤل بالتسوية الإقليمية

30 كانون الأول 2013 | 00:00

في تناقض لافت ومعاكس للمؤثرات والخلاصات التي أحاطت العام 2013، بقي القطاع المالي في لبنان الداعم الاول للاقتصاد وحاضراً لتمويل حاجات الدولة واستحقاقاتها. وعلى أنقاض ما بقي من ثقة بالاداء السياسي والامني، نجح القطاع المصرفي، رغم الضغوط الخارجية، في الانسحاب من حلقات التأثير المباشر ليستمر في ادائه الجاذب ولينجح في رفع حجمه الى نحو 160 مليار دولار، وهي ظاهرة غير مسبوقة عالميا قياسا بحجم الناتج المحلي الاجمالي.

لم ينجح لبنان في كسر حلقة تنامي الدين العام الذي لامس عتبة 64 مليار دولار (تجاوز نسبة 160% من الناتج)، لعجزه عن إبقاء العجز السنوي في الموازنة العامة ضمن الهوامش المقرة في الموازنات المتتابع2ة التي لم تقرّ (الاثني عشرية). والسبب، فشل الدولة في اصلاح وضع المديونية العامة، وتاليا عجزها عن ضبط النفقات أكثر مما يعود إلى تقصيرها في تحقيق الأهداف المحددة في مجال الواردات. وقد رزح وضع المالية العامة تحت عبء اللجوء السوري الذي عجز عن ايجاد موارد دعم عالمية لتحمّله نتيجة غياب حكومة اصيلة تستطيع التعامل مع المجتمع الدولي. اما عجز مؤسسة كهرباء لبنان الذي قارب الملياري دولار سنويا، فبقي جرحا نازفا في خاصرة الخزينة ليرفع العجز الى اكثر من 5 آلاف مليار ليرة المستهدفة. وايضا، كان لسلسلة الرتب والرواتب التي علقت في امانة مجلس النواب بعد اخذ ورد طويلين، حصة ملموسة في تضخيم كتلة الاجور قبل اي صرف فعلي للزيادات المنتظرة، مما رفع معدل التضخم الى نحو 4% وربما يقفل بحسب التوقعات، على معدل أكثر مع نهاية العام.
فالحاجة لتلبية متطلبات السلسلة، كانت الى تعزيز الايرادات بنحو 1600 مليار ليرة، بينما اجتهد رئيس اللجنة الفرعية لملف السلسلة النائب ابرهيم كنعان في تقريره النهائي ليرفع المشروع الى اكثر من 2200 مليار "لتأمين افضل للحقوق"، بفضل زيادة 600 مليار ليرة على الايرادات "من دون تحميل الطبقة الوسطى اي اعباء". اما وزارة المال، فلم تقف مكتوفة، اذ اقترحت وهي في صدد اعداد مشروع موازنة 2014، رفع الرسوم الجمركية 33% من اجمالي محصلة الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافةTVA التي تبلغ نحو 3 آلاف مليار ليرة.
ورغم ان سلسلة الرتب والرواتب بقيت مشروعا من ورق، فقد كان لانعكاسها على سوق الاستهلاك أثرا مباشرا ترجم في ارتفاع معدل التضخم الى 4%، مما أضعف القدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود في ظل ارتفاع مطرد لمؤشر اسعار الاستهلاك اضافة الى الاعباء المعيشية الاخرى مثل التعليم والطبابة. وزاد من حدة الضائقة انعدام فرص العمل سواء في السوق الاساسية المتخمة بنحو 25 الف متخرج سنويا من جامعات لبنان، او بالنسبة الى المهارات الفنية التي شرّعت الابواب امام العمالة السورية التي شكّلت منافسة شكا منها العمال اللبنانيون الذين ضاقت بهم ابواب المؤسسات المحلية بعد معاناتها في عام صعب وشاق.
ووفق الارقام، بدا التباين واضحا في أداء قطاعات الاقتصاد الوطني على مدى عام كامل... الى حدّ التناقض، اذ قابل تراجع حركة السياحة والاستثمار العقاري تحديدا والصناعة والتجارة وبعض القطاعات الرافدة، انتعاش وان متباطئ للقطاعات المالية وخصوصا للمصرفي منها حيث بقيت الليرة على عادتها منذ أعوام، في منأى من الاهتزازات السياسية والامنية الطارئة، فيما نجح القطاع المصرفي في مقاومة الضغوط التي واجهها من الداخل كما من الخارج.
وقد أتاحت تلك الوضعية للسياسات النقدية والمصرفية البقاء خط دفاع اول عن الاقتصاد الراكد بفضل الثقة التي استمرت في جذب الاموال لتوسع قاعدة الودائع المصرفية ولتعزز حركة تحويلات المغتربين الى لبنان، والتي توقع البنك الدولي ارتفاعها الى 7,6 مليارات دولار اي بنسبة 4,4% مقارنة بنحو 7,3 مليارات دولار في العام 2012، وهو ما جعله في المرتبة العاشرة من حيث النمو الاكبر لتحويلات المغتربين بين 15 اقتصادا ناميا هذه السنة. وكانت لمصرف لبنان مبادرات انعاشية خرج بها عن اطار قانون النقد والتسليف، بحثا عن تحريك الجمود الاقتصادي وتوفيرا لأمان اجتماعي استطاع توفير القسط الاكبر منه من خلال مبادرة ضخّ نحو 1,5 مليار دولار في الاقتصاد (عبر تسليفات مدعومة لقطاعات السكن والبيئة والتعليم وسواها)، واعلن عن تكرارها وبالحجم عينه في السنة 2014. وأتبع ذلك بمبادرة استنبطها بحثا عن توفير فرص عمل جديدة للشباب الاكفاء مما يمكن ان يحدّ من دفعهم الى الهجرة. وقد تركزت مبادرة الـ400 مليون دولار في قطاع جديد هو "اقتصاد المعرفة" الذي يتقن اللبنانيون التعامل مع آلياته التكنولوجية الحديثة.
وعلى خط مواز، حاولت المصارف المضي في سياسات دعم القطاعين العام والخاص، فرفعت اجمالي القروض المصرفية الى القطاع الخاص الى نحو 43 مليار دولار في مقابل 31 مليارا للقطاع العام، منها 13 مليارا بالعملة الاجنبية دخلت في اطار الاستمرار مباشرة في تمويل حاجات الدولة عبر تجديد استحقاقات الاوروبوندز وسندات الخزينة بالليرة على التوالي. والى جانب القطاع، كان لمصرف لبنان حصة من عمليات التمويل المباشرة، بدليل بلوغ ديونه للقطاع العام نحو 14 مليار دولار، بينها نحو 3,7 مليارات دولار بالعملات الاجنبية.
وواجهت المصارف على الجبهة الخارجية، خفض التصنيف السيادي للبنان من B الى B- نتيجة ارتفاع الاخطار السيادية، سياسيا وامنيا، على خلفية اتساع دائرة الخلاف بين مكونات المجتمع السياسي والحزبي، بدءا من سوريا حيث الانغماس مشترك ما بين "حزب الله" وبعض الجماعات السنية، وصولا الى السرايا التي فرغت من كيان حكومي في هذه المرحلة الحرجة من عمر الازمة العربية التي طافت بأهلها ورمت بثقلها على لبنان، حيث الحاجة الى ادارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، تستمر في تعاظمها في ظل الدفق السوري الى مناطق الشمال والبقاع والجنوب.
رغم كل الضغوط المزمنة والطارئة، أقفلت سنة الصدمات والمعوقات على نمو ايجابي في لبنان، وان كان اقل من التوقعات، لكنه يبقى افضل مما جنته اقتصادات مجاورة ولا سيما في سوريا.

violette.balaa@annahar.com.lb
Twitter:@violettebalaa

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard