سنة 2013: محطات الأزمات والحروب في لبنان والمنطقة - عام الاضطرابات والصدمات أنهك الاقتصاد ولم يتح له فرصة التقاط انفاسه ضعف النمو فكّك قوة الناتج المحلي وأطاح الآمال بانتعاش يخرج من باطن الركود

28 كانون الأول 2013 | 00:00

لم يسبق لاقتصاد لبنان ان وقع تحت هذا الكمّ من الصدمات المتنوعة المصادر والأوجه، والمتتالية زمنيا على نحو لم يتح له اي فرصة لالتقاط انفاسه. فمن السياسي الى الامني، رزح الناتج المحلي الاجمالي دون توقعات النمو المرتقب للعام الثاني، بفعل سلة سلبية من العوامل المؤثرة، وفي مقدمها ثقل اللاجئين السوريين معيشيا واجتماعيا، مما أطاح الآمال بانتعاش يخرج من باطن الركود.

على مدى عام كامل، تأرجح اقتصاد لبنان على وقع الثورات التي تهزّ الاقليم المجاور، القريب والبعيد، مما انعكس طوقا لاحتمالات نمو رصدت التوقعات له معدلا يتجاوز الـ2,5% بداية السنة استنادا الى حسابات ما تزال تراهن على مقومات ذاتية قد تعوّض غياب الطلب الخارجي عن سوق ضاقت باهلها. الا ان طبيعة الازمة التي استكملت هويتها المدمرة في العام 2013، لم تكن مسبوقة لا بحدودها ولا بافقها، اذ سدّت المنافذ امام مواقع النمو، من الخارج في اتجاه الداخل وبالعكس.
فالضبابية التي تحكمت بالمشهد السياسي محليا وافضت منتصف العام الى انفراط العقد الحكومي وهزال التمثيل النيابي، انسحبت على مفاصل الاقتصاد الواهن بعد عامين من التراجع التدريجي في انسجام مباشر مع تدهور اقليمي اصاب اقتصادات الربيع العربي في الصميم. ولم تبشر الارقام القطاعية، الشهرية والتراكمية، بنتائج مقبولة نهاية العام بعدما استهلته بالاحمر السلبي، وزاد من الهشاشة التي اصابت بنية الاقتصاد، اللجوء السوري الى الشمال والبقاع وبيروت والجنوب، وتُرجم ثقله في ازمة الخدمات المعدومة في الاساس، وهو ما عانت منه المخيمات التي انتشرت على طول الحدود المفتوحة على الخاصرة اللبنانية التي اتاحت اهتزاز الامن دون المساعدات الدولية المتوقعة.
ولما كان لبنان يدرك عجزه عن تحمّل عبء وجود نحو مليون ونصف مليون سوري في ظروف معيشية غير مقبولة، لجأ الى المجتمع الدولي طالبا معاونته في كلفة الاستضافة والتي قدّرها البنك الدولي بنحو 7,5 مليارات دولار. الا ان غياب الكيان الحكومي مع استقالة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في عزّ الضائقة السياسية والامنية، أضاع على لبنان فرصة تلقي اي معونة دولية. فكانت الخسارة مزدوجة: لا مساعدات تمكّن لبنان من تحمّل عبء اللاجئين، ولا قدرة على استقطاب الرساميل السورية الهاربة بسبب الاصرار الاميركي والدولي على الزام المجتمع الدولي مقاطعة الافراد والمؤسسات المدرجة في لائحة العقوبات رغبة منها في "تقفي أثر عمليات تمويل الارهاب". فكانت خشية لبنان وقطاعه المصرفي مضاعفة وخصوصا بعد صدمة "البنك اللبناني الكندي" قبل نحو عامين، علما ان "حزب الله" اللبناني مدرج كمنظمة ارهابية على اللوائح الاميركية تحديدا.
لذا، بقي لبنان دون سائر جيرانه، محروما الرساميل النقدية او التحويلات المصرفية التي غادرت سوريا ذات المناخ الطارد للاعمال والاموال والاستثمار، بحثاً عن ملاجئ آمنة وجدتها في دبي وتركيا وحتى مصر المضطربة. ولم يبقَ في لبنان سوى ذوي الدخل المعدوم الذين غزوا اسواق العمل عشوائيا بحثاً عن لقمة عيش كريم. الا ان الاعباء أثقلت فواتير الاستشفاء والطبابة وفرص العمل التي كادت أن تنعدم، وخصوصا في مهن تشهد منافسة غير منتظمة في الاساس وتحديدا من العمالة الاجنبية (مصرية، سري لانكية...). ولم تنجح المساعدات العينية التي وفّرها المجتمع الاهلي في تخفيف الضائقة التي اشتدت مع نهاية السنة، اي مع حلول فصل الشتاء، لتتحوّل ازمة انسانية بسبب الظروف غير اللائقة التي عجز لبنان عن توفيرها للاجئين.
وعلى هذا الوقع، خفّض صندوق النقد والبنك الدوليين توقعاتهما للنمو في لبنان الى 1,5% ليكون النمو الثاني الابطأ بين 19 دولة في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا والـ32 الابطأ في العالم في الـ2013. وجاءت توقعات النمو على اعتبار ان التداعيات الناجمة عن الصراع السوري والعدد المتزايد للاجئين السوريين، "ستظل تؤثر سلبا على الثقة وتعوّق حركة السياحة وتضغط على النشاط الاقتصادي". وكان متوقعا ان ينعكس ذلك سلبا على المالية العامة كما على الحسابات الخارجية.
ولم يكن اللجوء السوري عبئا وحيدا على اقتصاد في عام الاضطرابات والصدمات، اذ أثقلت ازمة التفكك السياسي والتفجير الامني المبرمج، كاهل المكونات الاساسية في الناتج المحلي الاجمالي. ولم يكن مستغربا ان يصاب المناخ الاستثماري بجمود كالذي شهده هذه السنة نتيجة انعكاس التوتر الامني المتنقل على الخدمات وثقة المستهلك. وكان لافتا الوهن الذي اصاب حركة السياحة التي تراجعت بنحو 12% نتيجة انخفاض اعداد الوافدين لاسباب أمنية، أبقت المقاطعة الخليجية لسياحة لبنان قائمة للعام الثاني على التوالي، وان بخلفيات سياسية تتعلق بمشاركة "حزب الله" في العمليات العسكرية في سوريا.
وانسجاما، تراجع الانفاق السياحي بنسبة 13% تقريبا، وتركز الخفض الاهم لدى السياح الكويتيين ثم الاردنيين فالقطريين والسعوديين. ولم تكن حركة قطاعي التجارة والصادرات في حال افضل، اذ تأثراً مباشرة بالقتال في سوريا الذي افضى تفاقمه الى ارتفاع خطورة عبور السلع اللبنانية الى الاسواق السورية والعربية، وتاليا اقفالها. وعليه، انخفضت حركة الصادرات بنسبة تفوق الـ6% رغم لجوء بعض التجار الى خيار التصدير عبر البحر، الامر الذي لم ينطبق على سائر السلع نظرا الى ارتفاع الكلفة وعدم ملاءمة شروط الشحن لطبيعة بعض الاصناف المصدّرة. اما قطاع الزراعة، فبقي وحيدا في قائمة الانتعاش البطيء، اذ لم يسجل اي كساد في المواسم المتعددة بسبب اتساع قاعدة الطلب الداخلي نتيجة وجود نحو 1,5 مليون لاجئ سوري في سوق الاستهلاك المحلية. لذا، وقع الميزان التجاري في عجز اضافي يتوقع ان يقارب الـ17 مليار دولار في عام واحد.
صورة اقتصاد لبنان في العام 2013 ليست قاتمة الى حد ينزع صفة التفاؤل عن اداء بعض القطاعات التي نجحت في التفلت من قبضة المفاعيل السلبية. وكانت الثقة هي العنوان الوحيد الذي بقي المحور الجاذب في تعزيز محصلة القطاعات المالية تحديدا مما ساعدها في توسيع رقعة دعمها بين القطاعين العام والخاص.

violette.balaa@annahar.com.lb
Twitter:@violettebalaa

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard