موت في ستاركو وآلام في مستشفى الجامعة الأميركية: "الله لا يوفقهم... خربوا البلد"

28 كانون الأول 2013 | 00:00

عائلة الوزير السابق الشهيد محمد شطح امام مستشفى الجامعة الاميركية . (سامي عياد)

الدوي وحده كان كافياً ليدرك السامعون انه انفجار. بفعل قوته وقربه اهتز مبنى جريدة "النهار". السحب الدخانية السوداء كانت الدليل لمعرفة موقع الجريمة من بعيد، الى جانب مبنى ستاركو، حيث سيطر الرعب والخوف على وجوه المواطنين. دقات القلوب سريعة والجميع يلهثون: "لا تقرّب.. ممكن انفجار آخر"، يقول أحدهم، في اشارة إلى ما حصل في تفجيري السفارة الايرانية واغتيال اللواء وسام الحسن. زجاج المباني المحيطة بالتفجير محطم ومبعثر أرضاً. سيارات الاسعاف والدفاع المباني وصلت سريعاً لنقل الجرحى واخماد الحرائق.

من مفترق آخر، وصلنا إلى مسرح الجريمة... الدنيا سوداء أشبه بجهنم. الجميع مشتتون. الأجهزة الأمنية تتصارع على المعلومات ومسك زمام الأمور. الخطوات محسوبة جيداً "حتى لا تدعس" على أشلاء أحدهم. هنا رائحة الموت والفحم. سيارات لم يتبق منها سوى هياكلها وقطعها منتشرة في ارجاء الشارع، وبعضها وصل حتى إلى اسطح المباني. يمر أحدهم ويهمس لزميله في قوى الأمن: "انه الوزير شطح"، تأكدوا من ذلك من خلال "دفتر السيارة". تجمعوا حول جثة محترقة. انه الوزير الشهيد. نقلوه إلى المستسفى الحكومي ثم إلى مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت.
الطرق فارغة ومسمومة. الناس "حبست أنفاسها" أمام مدخل الطوارئ في مستشفى "الجامعة". المشهد لا يختلف كثيراً عما شهدته مستشفيات أخرى في تفجيرات سابقة. الإعلام نصب كاميراته وانتظر معلومة صغيرة لينقلها إلى الرأي العام. لا مسؤولون ولا معلومات ولا اسماء، ادارة مستشفى الجامعة ضبطت الأمور في شكل صارم. "نعتذر منكم، تستطيعون الحصول على الاسماء من وزارة الصحة". التعتيم سيد الموقف. خطفنا نظرة الى بعض الأوراق بينت أن الجرحى أكثر من 25. ماذا عن الضحايا؟: "غير معروفين حتى اللحظة!". عائلات تحضر وتسأل عن اسماء أولادها، آخرون ينتظرون خبراً يهدئ من روعهم.
الحراس صارمون في منع الدخول والاعلام عاتب للحؤول دون نقله الصورة الفاجعة إلى الرأي العام. لم يبق لهم سوى جمع روايات أهالي الضحايا والجرحى الذين في معظمهم صودف أن عملهم مكان الانفجار أو كانوا يمرون مصادفة.
وسط زحمة الأهالي، ولد يمشي بخطى متوترة، انه حسين خزعل (13 سنة)، والده حسن سائق اجرة اصيب بالتفجير. ما حاله؟ يجيب بعينين حاقدتين ولسان مرتبك: "اصيب والدي برأسه وكسرت يده. الله لا يوفقه اللّي عمل هالشي، وانشا الله بيطلع فيه شي انفجار". ماذا تتمنى؟ يتابع: "ما بدي تصير انفجارات".
بطريقة خاطفة، وصلت سيارة اسعاف الى المستشفى برفقة موكب. "انه هو". أُدخلت جثة الوزير السابق الشهيد من باب خلفي، وبعد ساعة وصلت عائلته، وما هي إلا 20 دقيقة حتى خرجت بعدها في حال من الصدمة. مرافقو العائلة منعوا الاعلاميين من الاقتراب من أفرادها في لحظة احترام الخصوصية.

"الله يقطع أيدي الغدر"
اتفقت فاطمة على ان تلتقي مع صديقتها في مستشفى الجامعة أثناء زيارتها الطبيب، وذهبت هي أولاً لتوصل أولادها الى المدرسة التي كانت تنظم رحلة للتلامذة، اما صديقتها فكانت تتجه نحو الروشة لعمل ما... ويا ليته لم يكن! الانفجار أوصل صديقتها قبلها إلى الجامعة الأميركية لكنها لن تلتقيها بل حضرت لتودعها. تتحدث وعيناها اغرورقتا بالدموع: "عم يقولولي انها توفت. الله يقطع أيدي الغدر والفتنة من البلد.. يا الله لو كنت معها لكنت انتهيت".
الوزير السابق الدكتور محمد جواد خليفة، اتخذ القرار بكسر الصمت السائد امام المستشفى والادلاء ببعض المعلومات. بعد ادانته التفجير واستذكار زميله الوزير شطح الذي كان معه في حكومة الرئيس سعد الحريري، قال: "هناك 33 جريحاً و3 شهداء". ولدى سؤالنا أحد الامنيين عن عدد الشهداء قال: "هناك 4 جثث ورأس"، منها جثة للوزير السابق واخرى للمواطن محمد ناصر منصور وكيفورك تاكاجيان، وصدام الخنشوربي (سوري الجنسية) وشخص مجهول الهوية.

"ليس هنا"
من بعيد تهرول والدة مرافق شطح الضحية الشهيد طارق بدر، وصلت إلى بوابة الطوارىء "ليس هنا" يقول لها الحارس، لتعود مسرعة والدموع تسبقها كي تكمل رحلة البحث عنه. الناس حولها يرددون، "صار شهيداً، لا جثة له .. انه اشلاء!".
على أحد مقاعد باحة المستشفى، تجلس "الحاجة اميرة" تبكي وجسدها يرتجف. تقول لـ"النهار": "شقيقتي منى ضاهر (43 سنة) من الجرحى". التوتر أرهق المرأة الستينية وهي تنتظر اي معلومات جديدة: "دخلت وشاهدتها ولم تتحدث اليّ، كان رأسها مغطساً بالدماء والرضوض على جسدها. كانت تمر مصادفة بمنطقة التفجير". حولها كان عدد من الأشخاص يهمسون أن منى كانت في احدى سيارات التاكسي التي عبرت خلال الانفجار، وشوهدت محترقة كلياً في المكان. تقول أميرة وهي تتنفس بصعوبة وتمسح دموعها: "الله لا يوفقهم انشاالله، خربوا البلد".
ميساء ابنة هيفاء مجبور (50 سنة) تطمئن الجميع الى أن والدتها في صحة جيدة واقتصرت اصابتها عن ضيق في التنفس ورضوض وجروح بسيطة بفعل تحطم زجاج مكتبها في وزارة التنمية الادارية في ستاركو. الزجاج نفسه الذي تحطم في تفجير 14 شباط 2005.
في مستشفى نجار، لا جرحى. وباحة مستشفى كليمنصو هادئة. وادارة المستشفى أفادت "النهار" بوصول جثة مرافق الوزير شطح، طارق بدر. تم التعرف اليها بعد وصول والدته، وعالج المستشفى 11 جريحاً، عادوا جميعاً إلى منازلهم باستثناء واحد يخضع لجراحة بسيطة.
مصادر وزارة الصحة قالت لـ"النهار" ان حصيلة الضحايا غير النهائية بلغت 6، بينهم 4 مجهولون، أما الجرحى فوصل عددهم الى 75.

mohammad.nimer@annahar.com.lb
Twitter: @mohamad_nimer

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard