سوريا سنة تاسعة حرباً ولا حلول سياسية في الأفق تحت غبار الباغوز... النظام وروسيا يمهدان لمعركة إدلب

15 آذار 2019 | 00:05

مبانٍ تهدمت في غارة جوية روسية على إدلب أمس. (أ ف ب)

وقت تتقدم "قوات سوريا الديموقراطية" (قسد) في المربع الاخير لتنظيم "الدولة الاسلامية" (داعش) في قرية الباغوز شرق محافظة دير الزور، كثّف النظام، مدعوماً بغارات جوية روسية للمرة الأولى منذ أشهر، قصفه لمحافظة إدلب المصنفة ضمن مناطق خفض التصعيد والتي تهيمن عليها "هيئة تحرير الشام" ("جبهة النصرة" سابقاً).

تدخل الحرب السورية اليوم سنتها التاسعة في ظل جمود كل الجهود والمبادرات السياسية. وبعد انتهاء السنة الثامنة للحرب، باتت المعارضة السورية، التي تقاتل لإطاحة الرئيس بشار الأسد، محاصرة إلى حد بعيد داخل جيب في شمال غرب البلاد قرب الحدود مع تركيا. ويعيش داخل هذا الجيب حالياً نحو أربعة ملايين شخص منهم مئات الآلاف من معارضي الأسد الذين فروا إلى هناك من أنحاء أخرى في سوريا. والجيب خاضع للحماية بموجب اتفاق لخفض التصعيد توصلت إليه العام الماضي روسيا، حليفة الأسد الرئيسية، وإيران وتركيا، التي سبق لها أن دعمت المعارضة وأرسلت قوات لمراقبة الهدنة.

وروى سكان أن مدينة إدلب تعرضت لما لا يقل عن 12 غارة جوية شملت أهدافها سجناً للمدنيين على مشارف المدينة الاربعاء، مما تسبب في فرار عشرات السجناء. وأودت الغارات بحياة عشرة مدنيين على الأقل الى إصابة 45 بجروح. وأكدت وزارة الدفاع الروسية أنها وجهت بالتنسيق مع تركيا ضربات الى إدلب مستهدفة مستودعات للطائرات المسيرة والأسلحة تابعة لـ"هيئة تحرير الشام". وقالت إن هذه الجماعة كانت تخطط لشن هجوم على قاعدة جوية روسية رئيسية قرب ساحل البحر المتوسط.

وتوعدت "هيئة تحرير الشام" بالانتقام قائلة إنها قبضت على معظم السجناء الذين فروا، وإن بينهم أعضاء خلية تعمل لحساب الاستخبارات الروسية ادعت أنهم وراء تفجيرات شهدتها مدينة إدلب الشهر الماضي وأسفرت عن مقتل 17 مدنياً وإصابة العشرات. وأضافت في بيان: "ونذكر أهلنا الكرام في المناطق المحررة بأمر طالما عرفوه وخبروه بأنه لا حل مع المحتل الروسي والأسدي والميليشيات الإيرانية إلا المواجهة... والمواجهة فقط".

وقد سمع السكان الذين يعيشون على امتداد المنطقة الحدودية مع تركيا الدوي العنيف للغارات الجوية الليلة الماضية في رقعة شاسعة من الأرض تمتد من مناطق تسيطر عليها المعارضة قرب محافظة اللاذقية المطلة على البحر المتوسط والخاضعة لسيطرة الحكومة إلى مدينة إدلب شرقاً ثم مناطق مجاورة تسيطر عليها المعارضة أيضاً في شمال حماه.

وقال إبراهيم الشيخ، وهو من بلدة أطمة وله خمسة أبناء: "حرقوا الأرض. أصوات الانفجارات مسموعة بكل وضوح". ونقل عن أقارب له أن هذا كان أشد قصف منذ بدء التصعيد قبل أسبوعين.

"اللي نفذ هذه المجزرة وحش"

وتحدث سكان في شمال غرب البلاد عن اطلاق ذخائر فوسفورية بيضاء على بلدة التمانعة في ريف إدلب حيث قال رجال إنقاذ الأربعاء إنهم أخمدوا حرائق عدة جراء إطلاق ما يزيد على 80 صاروخاً. وكان من أهداف الغارات الجوية مخيم موقت في قرية كفر عميم الواقعة شرق مدينة إدلب والذي يؤوي عائلات نازحة. وأودت الغارات بعد منتصف ليل الثلثاء-الاربعاء بحياة امرأتين فيما أصابت عشرة أطفال على الأقل. وقال ليث عبد الله، وهو أحد العاملين في الدفاع المدني الذين شاركوا في جهود الإنقاذ بمدينة سراقب، في اتصال هاتفي معه: "اللي نفذ هذه المجزرة وحش... ما في غير نازحين نساء وأطفال وما في هدف نقوله غير أن هذا الوحش الروسي طالع يقتل". وقال أحمد عبد السلام، وهو قيادي في "الجبهة الوطنية للتحرير" المعارضة التي تدعمها تركيا، إن القصف الصاروخي من قاعدة عسكرية رئيسية في قرية جورين الواقعة في محافظة حماه ساهم في تصعيد القصف المستمر منذ أسبوع لمناطق ريفية قرب بلدة جسر الشغور.

وأفاد معارضون أن قاعدة عسكرية روسية واقعة جنوب بلدة حلفايا التي تسيطر عليها الحكومة استهدفت كذلك قرية كفر زيتا في ريف حماه الشمالي، بينما ضربت قنابل عنقودية عدة بلدات تسيطر عليها المعارضة في جنوب إدلب. وتسبب القصف في نزوح السكان من بلدات تسيطر عليها المعارضة في المنطقة العازلة التي تمتد من مناطق في إدلب إلى شمال حماه وبعض أنحاء محافظة اللاذقية. وقال يوسف الإدلبي، الذي انتقل إلى إدلب، إن خان شيخون التي كان يسكنها تحولت إلى مدينة أشباح بعد فرار معظم سكانها الذين كان عددهم يربو على 70 ألفاً. ونددت تركيا، التي بدأت تسيير دوريات في المنطقة العازلة لجمعة، بما وصفته بتزايد الاستفزازات لخرق الهدنة، وحذرت من أن حملة الغارات التي تشنها روسيا والقوات الحكومية السورية قد تتسبب في أزمة إنسانية كبرى. وزاد استياء وغضب كثير من السكان لعدم رد القوات التركية على هذه الهجمات، بينما طالبت القوات الحكومية السورية القوات التركية بالانسحاب.

جبهة الباغوز

ويتزامن التصعيد في شمال غرب سوريا مع شن "قسد" التي تدعمها الولايات المتحدة والتي يقودها الأكراد، هجوماً منفصلاً على آخر معقل لـ"داعش" في أقصى شرق البلاد، مما أوجد نقاط تحول على جبهتين رئيسيتين كبيرتين في الحرب الأهلية السورية المتعددة الطرف.

وقال القائد في "قسد" عدنان عفرين إن مئات من مقاتلي "داعش" وأسرهم استسلموا أمس للقوات المدعومة أميركياً.

وروى شاهد من "رويترز" في وقت سابق أنه رأى عشرات الرجال والنساء والأطفال وهم يغادرون الجيب. وأجّلت "قسد" مرارا هجومها النهائي للسماح لآلاف المدنيين بمغادرة الباغوز قبل أن تعاود الهجوم الأحد. وتصدت "قسد" الأربعاء لهجومين مضادين شنهما مقاتلو التنظيم الرافضين للاستسلام والمتشبثين بالدفاع عن جيبهم، على رغم الطائرات والمدفعية التي تدك مواقعهم بشكل متواصل. وصرح الناطق الكردي جياكر أمد: بما أن المساحة ضيقة للغاية، فهم يستخدمون تكتيكات تحت الأرض. لذلك، فالطائرات لا تؤثر دائماً بالشكل المطلوب"، في إشارة الى خنادق وأنفاق تقول "قسد" إن التنظيم حفرها وان مقاتليه يتحصنون فيها. وكشف أن "غالبية من بقوا في الداخل حالياً هم انتحاريون يفجرون أنفسهم"، وهو ما يعوق حركة "قسد" التي بدأ مقاتلوها "هجوماً ليل الاربعاء على نقاط الدواعش... وأحرزوا تقدماً لكنه بطيء".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard