تحت الضوء - الإنجيل بحسب جوزيه ساراماغو

25 كانون الأول 2013 | 00:00

في روايته "الإنجيل بحسب يسوع المسيح"، يقدّم جوزيه ساراماغو رؤية بديلة وجريئة لسيرة المسيح، منذ ولادته حتّى موته. لكنّ "بطريرك" الأدب البرتغاليّ لا يؤسّس هنا لكتاب دينيّ جديد، ولا يهمّه حتّى أن يرسي حقائق "تاريخيّة" أكثر صدقيّةً، إنمّا هو يريد، ببساطةٍ، أن يُعمل أسئلته الوجوديّة، الشعريّة، الحداثيّة، والسياسيّة، وذلك في حوارٍ مشرَّع بين الإنسانيّ والإلهيّ، بين الترابيّ والهيوليّ، بين الأرضيّ المغمَّس بالألم واللذّة والسماويّ الغيبيّ المتلفِّع بألف قناع وقناع.

لدى صدورها عام 1991، أثارت رواية "الإنجيل بحسب يسوع المسيح"، للبرتغاليّ جوزيه ساراماغو (1922-2010)، عاصفةً عنيفة من الردود والمقالات التي انهالت على الرواية وصاحبها، هجوماً ودفاعاً، من كلّ فجٍّ وصوب. الكنيسة الكاثوليكيّة استنكرتها بشدّة واعتبرتها تجديفيّة، أمّا الحكومة البرتغاليّة فمارست الرقابة عليها، معتبرةً إيّاها "مهينةً بحقّ الكاثوليك"، وبذلك، حالت دون ترشّحها لجائزة الأدب الأوروبيّة الرفيعة لعام 1992. إثر هذه الحادثة، غادر ساراماغو البرتغال مكسور الخاطر، وانتقل إلى منفاه الاختياريّ في لانثاروتي، إحدى جُزُر الكاناري الإسبانيّة، حيث عاش حتّى أيّامه الأخيرة. مع هذا الانتقال المكانيّ، شهدت تجربة صاحب نوبل للآداب (1998) مرحلةً جديدة، تمثّلت في ابتعاده أكثر فأكثر عن الأسلوب المباشر لمصلحة التجريد والمجاز.
يُمكن أن توضع رواية "الإنجيل" في سياق عدد من الأعمال حاولت إعادة كتابة حياة المسيح (أبرزها في القرن العشرين رواية كازانتزاكيس "التجربة الأخيرة للمسيح" (1955)، التي نُقلها سكورسيزي عام 1988 إلى الشاشة الكبيرة)، متّكئةً، في الأغلب، على الأناجيل الأربعة، وعلى ما وصَلَنا من الأناجيل المنحولة والكتابات اللاهوتيّة القديمة، ومحتفظةً لنفسها بهامش للمناورة والتخييل. لكنّ ما يميّز رواية ساراماغو عن هذه الأعمال، إلى جانب جرأتها المستفِزَّة وشاعريّتها الاستثنائيّة وغموضها المشعّ وحبكتها العصماء، انحيازها الراديكاليّ للأرضيّ ضدّ السماويّ، للمحسوس ضدّ المجرّد، وللإنسانيّ ضدّ الإلهيّ. كذلك في الإمكان قراءتها، رمزيّاً، كاستعارة عن حريّة الخيال الذي يرفعه الكاتب بديلاً من الواقع أو الحقيقة التاريخيّة. فالتاريخ، كما يعلّمنا صاحب "قايين" (2009)، ليس شديد التماسك، إذ في الإمكان روايته و/أو كتابته بطريقة مختلفة طالما أنّ ذلك يتمّ بوساطة اللغة، وطلما أنّ كلّ سرد إنّما يتضمّن ذاتيّةً ما، انزياحاً ما، شقوقاً منسيّة تتسلّل منها الشاعريّة، ويتسلّل منها ضوء غريب، مشكّك، يصبح للأشياء تحته شكلٌ جديد وللكلمات مذاق حرّيف. هكذا نجد أنّ ساراماغو ليس مهتمّاً على الإطلاق بأن يعرف مَن "كان" يسوع حقّاً من المنظار التاريخيّ، بمقدار ما هو مهتمٌّ بأن يتساءل: مَن "يجب أن يكون" يسوع في المنظار الإنسانيّ؟!
إذاً، بين أيدينا "إنجيل" لا يشبه الأناجيل التي نعرفها، يمكن أن نعتبره تجديفيّاً منذ قراءة عنوانه، والمرور به وعدم الوقوع في التجربة. لكنّ الغوص فيه سيضعنا أمام معطى آخر: ليس هناك شيء محسومٌ ونهائيّ، ليس هناك ما يمكن الجزم بأنّه تجديفيّ في هذا الكتاب. في هذا المقال، نحاول أن نقرأ رواية ساراماغو قراءةً تخرج من المواضعات الضيّقة إلى الفضاء الإنسانيّ الرحب، حيث تتشكّل صورةٌ للمسيح، ليس كإنسانٍ خارق نازل علينا من فوق، بل كمجرّد إنسان: يتنفّس، يأكل، ينام، يتوق، يحلم، يُقلقه الماوراء ويغيظه، فيخاف، يتمرّد، ويحبّ، مثله مثل سائر الناس.

حداثةٌ مشكِّكة
تصلح أقصوصة بورخيس الشهيرة "بيار مينار، مؤلّف دون كيشوت" (1939) التي صدرت أوّلاً في مجموعة "البستان ذو الطُّرق المتشعّبة" (1941) وجُمعت في "خيالات" لاحقاً، خيرَ نافذةٍ ندخل منها، أوّلاً، لنفهم بعض ما أراد ساراماغو أن يفعله في "إنجيله". قرر مينار، صديق بورخيس المُتخيَّل، أن يقوم بمهمّة شبه مستحيلة: إعادة كتابة رائعة ثرفانتس، حرفاً حرفاً، من دون أن يبدّل شيئاً أو أن يضيف شيئاً. كان ينوي، أوّلَ الأمر، أن يتقمَّص شخصيّة المدريديّ البائس، ثمّ أن يتقن الإسبانيّة جيّداً، يعتنق الكاثوليكيّة، ينسى تاريخ أوروبا بين 1602 و1918، فيصل بذلك إلى "الكيشوت". لكنّ مينار، وبعد دراسته الطرق المختلفة، بدا له أنّه من التقليل "أن تكون في القرن العشرين روائيّاً شعبيّاً من القرن السابع عشر"، فوجد أنّ التحدّي يكمن في أن "يظلّ بيار مينار وأن يصل إلى "الكيشوت" من طريق اختبارات بيار مينار نفسه". لن نغامر في المتاهة البورخيسيّة التخييليّة أكثر من ذلك. ما يعنينا هنا هو أن الصعوبة التي واجهت ساراماغو، والتي لم يُرِدْ أن يتجنّبها، هي أن يظلّ ساراماغو، وأن يصل إلى "الإنجيل" عبر اختبارات ساراماغو نفسه، باختلافَين رئيسَيين عن مينار، جعلا مهمّة البرتغاليّ أكثر صعوبةً حتّى: الأوّل يكمن في أنّ للكتاب الذي يتعامل معه هالةً من القدسيّة وشهرةً تفوق شهرة أيّ كتاب آخر، بما يعنيه ذلك من انتهاك وتجديف وهرطقة ومروق. أمّا الاختلاف الثاني فهو أنّ ساراماغو لا يقف عند الحَرفيّة التي يلتزمها مينار، بل يتعدّاها لتقديم صيغة بديلة لحياة المسيح، وإن كان يعرف أنّه ليس في صدد تقديم كتاب يؤسّس لأجوبة ما، وإنّما هو يكتب ليبذر الشكّ ويقوّض المسلّمات، وهو، تالياً، شأنه شأن بورخيس، يرفع التخييل رايةً ويقول بانعدام الحدود بين الرواية التاريخيّة والأدب "الملفَّق".
لم يُرِدْ سليلُ بيسوّا إذاً أن يتخلّى عن إحساسه الحداثويّ، ووعيه التاريخيّ، كما أنّه لم يُرِد أن يتخلّى عن سخريته التي وراءها ذكاءٌ باهر. فالتطابق بين الراوي والكاتب، كما في أغلب روايات صاحب "رحلة الفيل" (2008)، يكاد يكون تامّاً. هكذا يطالعنا في "الإنجيل" هذا الصوتُ الصبور، الحنون، الدافئ، المتفهّم، الشكّاك والمتهكّم، الذي ليس سوى صوت ساراماغو نفسه. إنّه يكتب في أوروبا أواخر القرن العشرين، وفي نفسه مرجعيّاتُه السياسيّة (الماركسيّة) والدينيّة (الإلحاد) والفلسفيّة (الماديّة التاريخيّة) والثقافيّة (اليهوديّة-المسيحيّة، في هذه الحالة) والقوميّة (البرتغاليّة أو الأوروبيّة، بشكلٍ أوسع). لكنّ ما يميّز ساراماغو، ويجعل منه صوتاً استثنائيّاً، هو أنّ في نَفْسه، إلى جانب كلّ ما سَبَق، حسّاً إنسانيّاً، بديهيّاً، طفوليّاً، نقيّاً، شاعريّاً، قادراً أن يجعله يتخلّى عن كلّ ما سبق ليسير وراءه مغمضَ العينَين. لكنّ عينيّ ساراماغو لم تعرفا إغماضةً. كانتا، على مدى تجربته الكتابيّة، تتناوبان السهر والنوم، فتقرُّ عينٌ وتظلُّ أخرى جاحظةً في ليل العالم، تتلمّس مآسي الإنسانيّة، خصوصاً تلك التي تضرب العالم الثالث آتيةً من العالم "الأوّل"، في أغلب الأحيان!
من هو، إذاً، هذا المسيح الذي تتشكّلُ صورتُه على امتداد صفحات "إنجيل" ساراماغو؟

يسوع متمرّداً على الله
يظهر يسوع، في رواية البرتغاليّ، طفلاً ذكيّاً وبريئاً، يحلم بعالم أكثر عدلاً وأكثر حبّاً، ويتساءل عن بديهيّات المجتمع اليهوديّ آنذاك، كالزواج والصلاة والزنى والتضحية والذنب والألوهة، فيطوّحُ به السؤالُ في عالم ضارٍ مُتنازَع بين الخير والشرّ، بين اليهود والأمميّين، بين الله والشيطان. يسوع، شأنه شأن كلّ أطفال العالم، اليوم والآن خصوصاً، واقعٌ تحت سطوة القتل العبثيّ الأعمى. شأنه شأن كلّ أطفال العالم، مشروعُه منذورٌ للفشل منذ البداية. فالله قد اختاره ابناً له، وخطَّ مصيره بحروف لا يمكن محوها: لقد كُتِبَ عليه أن يموت على الصليب بهدف أن يوسّع سيطرة هذا الإله المستبدّ، فلا يبقى إلهَ اليهود فحسب، إنّما ينتصر، بهذا الفعل القربانيّ، على باقي الآلهة، ويصبح إلهاً على العالم أجمع.
هكذا يقف ساراماغو ضدّ فكرة "هذا الله"، الذي على أشنع صور الإنسان وأعنف أمثلته. الله الجشِع، السلطويّ، القهّار، كاره البشر، يَهْوَه، هو الذي هو، يقتات على الجثث ويقيم مع عباده علاقةً قوامُها الخوف والترهيب والإحساس بالذنب. إنّه، باختصار، الإله الذي تقدّمه الرواية التوراتيّة. في حديث إلى مجلّة "لو ماغازين ليتيرير" الفرنسيّة عام 2009، ولدى سؤاله إذا ما كان لا يزال ملحداً، "أجل"، أجاب. "ولألف سببٍ وسبب. سأذكر واحداً فقط. أثناء الأبديّة التي سبقتْ خلقَ الكون، لم يكن الله يفعل شيئاً. ثمّ، لا نعرفُ لِمَ، قرّر أن يخلقه. فخلقه في ستّة أيّام واستراح في اليوم السابع. ولا يزال مستريحاً حتّى اليوم، وسيظلّ مستريحاً إلى الأبد. كيف في إمكاننا أن نؤمن به إذاً؟".
من أكثر المشاهد مركزيّةً في "إنجيل" ساراماغو، ذاك الذي يجتمع فيه يسوع، الله والشيطان، على متن قارب صيدٍ في بحيرة طبريا، والضبابُ يلفّ الأرض، فيدور بين الآب والإبن حوارٌ يستمرّ مدى أربعين يوماً، فيما الشيطانُ مجرّد شاهدٍ يكتفي ببعض التعليقات الطفيفة بين حينٍ وحين. يريد يسوع أن يعرف من هو (هل هو ابن الله أم ابن يوسف النجّار؟) وما عليه أن يفعل (هل يمكنه أن يحيا حياةً طبيعيّة أم إنّه منذور للموت؟)، محاولاً أن يتنصّل من "المهمّة" التي سيوكله إيّاها الله، وفي محاولةِ تمرُّدٍ استباقيّة على كلّ ما سيُرتكب باسم الدين المسيحيّ من مجازرَ وحروبٍ ودماء على مرّ التاريخ. لكنّ يسوع، هنا، ليس سوى إنسان، ونجده جالساً بين الاثنَين، "وعلى مسافةٍ متساوية منهما". فضلاً عن أنّ الله لا يختلف عن الشيطان في شيءٍ، سوى أنّ للأوّل لحيةً بيضاء بينما الثاني أمرد! من هذا الحوار نقرأ: "هل يمكن أن تكذب الآلهة، سأل يسوع. يمكن، أجاب الله. وأنتَ هو الإله الحقيقيّ الواحد الوحيد بين الآلهة كلّها. أجل، الإله الحقيقيّ الواحد الوحيد. ومع ذلك ليس في إمكانك أن تجنّب الناس الموت لأجلك في حين أنّهم من المفترض أن يكونوا قد وُلدوا ليحيوا لأجلك على هذه الأرض وليس في السماء، حيث ليس في إمكانك أن تقدّم لهم شيئاً من ملذّات الحياة". نقرأ في مكانٍ آخر من الحوار نفسه: "إنّني أنتظر، قال يسوع. تنتظر ماذا، سأل الله، وكأنّه شارد البال. إنّني أنتظر أن تقول لي كم من الموت والعذاب سيتطلّب انتصارُك على الآلهة الأخرى، كم من الموت والعذاب ستتطلّب الحروب التي سيخوضها الناس باسمك وباسمي. أنت مصرٌّ على أن تعرف، سأل الله. أجل، أنا مصرّ، أجاب يسوع".

الحبُّ خلاصاً
إذا أردنا إذاً أن نخرج ببنيةٍ كليّة لخطاب الكاتب في "الإنجيل" (مع أنّ في ذلك إجحافاً كبيراً في حقّ التخييل، الذي يشكّل، بالنسبة إلى ساراماغو، كلّ شيء!)، لقُلنا إنّ الحبّ، الحبّ الإنسانيّ البسيط اللحْظَويّ، هو خلاص الإنسان. هكذا نجد أنّ الخطيئة التي على يسوع أن يدفع ثمنها على الصليب ليست خطيئة آدم الأصليّة، بل خطيئة والده، يوسف النجّار. هي خطيئةٌ تنتمي إلى هذه الأرض وليس إلى السماء (وإن كان يسوع سيعلم لاحقاً أنّها حادثةٌ مخطَّط لها منذ البداية من الله). فلمّا علم يوسف، مصادفةً، بالمجزرة التي يُعدُّها هيرودوس للصبيان ما دون الثانية في بيت لحم، عاد راكضاً إلى المغارة حيث يسوعُ الصغير ومريم. في طريقه إلى هناك، التقى عدداً من الأولاد يلعبون في الخارج، لكنّ يوسف لم يَقُل لهم شيئاً. لم يحذّرهم مّما ينتظرهم. ركضَ هَلِعًا ليس بين عَيْنَيه سوى تخليص ابنه الصغير من شفار السيف. ليست الخطيئةُ الأصليّة، إذاً، المعرفةَ أو العصيانَ أو الجنس، وإنّما بحثُ الإنسان عن خلاصه الفرديّ، تالياً مصدرها الجشَعُ والأنانيّة وغياب الحبّ.
في ذلك شيء من ماركسيّة صاحب "العمى" (1995) بالطبع، لكن فيه ما هو أبعد من ذلك. فيه تسليمٌ بمطلقيّة بالحبّ. بالمشاركة. بالمسامحة. بالمساواة. بمسؤوليّة الإنسان الكاملة تجاه أفعاله، وذلك في غيابٍ كامل لأيّ قوّةٍ غيبيّة، ميتافيزيقيّة، تجريديّة، علويّة. بذلك يلتقي ساراماغو والوجوديّين، الملحدين منهم بشكلٍ خاصّ. كذلك نلاحظ بحث ساراماغو الدائم عن الجذور الغائرة لهذه اللوثة التي اسمها القتل، والتي، على مدى التاريخ، اتّخذت ذرائعَ كثيرةً، كان الدينُ أبرزها على الإطلاق. ولا يزال. أمام هذه اللوثة، يتمسّك ساراماغو بالحياة، ويرفع الحبّ رايةً. الحبّ الحسيّ المجرّد، المادّي الروحي، المقدّس المدنّس، العنيف الوادع، الذي يذيب التناقضات ويتجاوز الثنائيّات، نحو نقطةٍ تكاد تكون هي نفسها تلك التي طاردها بروتون ورفاقه طويلاً.
في 9 تمّوز عام 2009، نشرَ كاتبُنا على مدوّنته نصّاً عنوانه "فصلٌ من الإنجيل". لا يحتاج القارئ الملمُّ جيّداً بعالم البرتغاليّ وقتاً طويلاً ليكتشف أنّ هذا النصّ مكتوبٌ في مرحلةٍ لاحقة، وأنّه ينتمي إلى الطور الثاني من تجربة صاحب "كلّ الأسماء" (1997). لكن، وعلى الرغم من أنّه يختلف، في أسلوبه كما في نَفَسه، عن رواية "الإنجيل"، إلاّ أنّه مركزيٌّ لفهم رؤية ساراماغو وما يريد قوله بالتحديد. النصّ مدهش، لا يقلُّ جرأةً عن "الإنجيل"، ولا سيّما أنّه يأتي على لسان مريم المجدليّة، المرأة التي يجعلها ساراماغو في "إنجيله" عشيقةً ليسوع، في الجسد تحديداً، لكن أيضاً في الروح (الروح، هنا، مختلف عن مفهومه الدينيّ بالتأكيد). تقول المجدليّة: "بالنسبة إليَّ، لم يكن يسوع ابنَ الله، وأنا، بالنسبة إليه، لم أكُن مريمَ التي من المجدليّة، كنّا فحسب رجلاً وامرأةً، كلانا يرتجف من الحبّ، والعالمُ يلفّنا كطائرٍ جارح يقطر دماً. لقد قال بعضُهم إنّ يسوع طردَ سبعة شياطين من أحشائي، لكنّ ذلك، أيضاً، ليس صحيحاً. ما فعله يسوع هو أنّه أيقظ الملائكةَ السبعة التي كانت نائمةً في روحي، منتظرةً إيّاه أن يأتي طالباً إليَّ مساعدته: "ساعديني". تلك الملائكة هي التي شَفَت قَدَمه، هي التي أمسكت بيديَّ الراجفتَين واستخرجت القيح من الجرح، هي التي وضعت على شفتَيَّ السؤال الذي لولاه لما كان يسوع قادراً على مساعدتي: "أنتَ تعرف مَن أنا، ماذا أفعل، وكيف أعيش"، وأجاب، "أنا أعرف". "لم تكن في حاجة إلى أن تنظر، وعرَفتَ"، قلتُ، وأجابَ، "لا أعرف شيئاً"، لكنّني أصررتُ، "أنا مومس". "أعرفُ ذلك". "أنام مع الرجال من أجل المال". "أجل". "إذاً أنتَ تعرف كلّ شيء عنّي"، قلتُ، وهو، بصوتٍ هادئ، مثل السطح الناعم لبحيرة متَمتمة، قال، "هذا كلّ ما أعرف". لم أكن أعلم عندها أنّه ابنُ الله، ولم أكن أتخيّل أنّ الله يحتاج ابناً، لكن في تلك اللحظة، حين كان الفهم الباهر يضيء في روحي، فهمتُ أنّ وحده ابنَ الإنسان يمكن أن ينطق بهذه الكلمات الأربع البسيطة: "هذا كلُّ ما أعرف". وينتهي النصّ بالجملتَين التاليتَين: "أنا مريم المجدليّة وقد أحببتُ. ليس هنالك شيء آخر لأقوله".

كوّة الأمل
بخلاف رواية كازانتزاكيس، لا يخرج يسوع، في "إنجيل" ساراماغو، منتصراً. فمحاولة تمرّده تبوء بالفشل، ويُقاد إلى الصليب، إمّا لاستسلامه لحظةً، وإمّا لاقتناعه بفكرة المجد التي وعده بها الله. لكنّ هذا الاقتناع لا يدوم طويلاً. فبينما هو على الصليب، يكتشف الخديعة، ويعلم أنّ كلّ ما فعله إنّما أدّى إلى نجاح الخطّة التي وضعها الله منذ البدء: "فَهِمَ يسوع أنّه خُدع، كما يُخدع الحَمَل وهو يقاد إلى الذبح، وأنّ حياته كانت منذورةً للموت منذ البداية. تذكّر أنهار الدماء والعذابات التي ستأتي وتعمّ الكوكب بأسره، فصرخ إلى السماء المشرّعة، حيث في الإمكان رؤية الله ضاحكاً، أيّها الناس، اغفروا له، لأنّه لا يعلم ماذا يفعل".
لكنّ الفشل، هنا، يجب أن يُقرأ كتأكيد آخر على إنسانيّة يسوع، تالياً كنوعٍ من الانتصار: انتصار الإنسانيّ على الغيبيّ وانتصار التخييل على الواقع. ليس مشروع يسوع، في نظر ساراماغو، منذوراً للسماء، بل مقامُه هذه الأرض. وإذا كان هنالك، وسط هذا التشاؤم البهيم الذي يلفّ عالم البرتغاليّ، كوّةٌ ما للأمل، فإنّها تكمن بالتأكيد في الانتقال الفوريّ إلى الفعل: أن يقوم الناسُ بشيءٍ ما، أن يثوروا على واقعهم، أن يوقفوا حروبهم "الغيبيّة" وينزلوا عن صلبان معاركهم السخيفة ليحيوا الحياة التي يستحقّون.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard