سنة 2013: محطات الأزمات والحروب في لبنان والمنطقة - إيران تنهي عاماً حافلا بالإنجازات وتتطلع إلى قطف الثمار في 2014 / تصميمٌ على انتهاز الاتفاق النووي للانطلاق إلى تسوية تاريخية بلا تنازلات

25 كانون الأول 2013 | 00:00

إنها سنة للزهو الإيراني، فيها إنجازات عسكرية وعلمية وتطورات سياسية. فها هو رئيس جديد يشغل العالم بخطابه الوسطي وابتسامته التي لا تقلل وقار عمامته. صفحة جديدة خُطت لتمهد الطريق أمام تسوية تاريخية للجدل الذي طبع البرنامج النووي. لكن خطة العمل المشتركة ليست إلا اللبنة الأولى لمسار شائك حظوظ نجاحه تعادل فشله، وفق الرئيس الأميركي باراك أوباما.

على أهمية ما تحقق في جنيف في 24 تشرين الثاني بعد مفاوضات ماراتونية، فإن كسر الجليد المتراكم منذ عام 1979 يتطلب أكثر من مكالمة مجاملة بين أوباما ونظيره حسن روحاني. فانعدام الثقة تغذى مدى سنين من تضارب المصالح في أفغانستان وآسيا الوسطى، إلى الشرق الأوسط والعراق والخليج والقضية الفلسطينية ولبنان وسوريا.
وبخلاف ما يُظن، فإن الاعتراضات الأكبر على الاتفاق الموقت هي في واشنطن وليس طهران. ففي أميركا تبدو الإدارة غير موحدة حيال طريقة التعامل مع إيران المصممة على إنجاح هذه الفرصة.

ما بين السطور
والواقع أن موقفي البلدين ينطلقان من الاتفاق نفسه وما بين سطوره. مر شهر على تلك الليلة التاريخية في جنيف، ولم يتحدد بعد موعد بداية الأشهر الستة، المهلة التي يغطيها الاتفاق. وشكل انسحاب الوفد الإيراني من إحدى جولات المحادثات التقنية على خلفية إضافة 19 شركة إلى جدول سابق للعقوبات، دليلاً على أن لا شيء مضموناً. وفي الجولة الأخيرة برزت خلافات جدية كشفت الفخاخ الكامنة في التفاصيل وتفاصيل التفاصيل.
تفيد تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن طهران تملك 200 كيلوغرام من الأورانيوم العالي التخصيب بنسبة 20 في المئة يمكن بسهولة رفعها الى الـ90 في المئة الكافية لصنع قنبلة نووية.
وبموجب الاتفاق، تعهدت إيران التخلص من المخزون، بتحويله إلى أوكسيد أو خلطة بأورانيوم غير مخصب لخفض كثافته إلى 5 في المئة. وكذلك إبقاء قدراتها التخصيبية عند مستوياتها الحالية بعدم زيادة أجهزة للطرد المركزي ولا تحسين نوعيتها أو إقامة منشآت جديدة. وعلى طهران الامتناع عن أي نشاط يتجاوز سقف الـ5 في المئة ووقف رفع مخزون الأورانيوم المنخفض التخصيب المقدر حالياً بـ7200 كيلوغرام. وسيمكن محققي الوكالة الدولية تفتيش منشأتي ناتانز وفوردو يومياً، وزيادة جولاتهم في مفاعل أراك الذي يعمل بالماء الثقيل.
في المقابل، تستعيد الجمهورية الإسلامية أرصدتها المجمدة المقدرة بأكثر من أربعة مليارات دولار على دفعات تغطي الأشهر الستة. وتخفف القيود على تجارة المواد البتروكيميائية والمعادن الثمينة وبعض القطع المستخدمة في صناعتي الطيران والسيارات، وذلك في صفقة ستضخ، وفق تقديرات "الإيكونوميست"، سبعة مليارات دولار في شرايين اقتصادها العليل. غير أن صحيفة "هآرتس" الاسرائيلية نقلت عن مسؤولين أميركيين أن المنافع الإيرانية قد تبلغ 20 مليار دولار، من دون تحديد ما إذا كان الرقم يشمل عائدات الصادرات النفطية بعد رفع الحظ عليها.
وتوقع رئيس لجنة التخطيط والموازنة والتدقيق في مجلس الشورى الإيراني هادي غافامي نمواً اقتصادياً بنسبة 2,2 في المئة العام المقبل، مع العلم أن الاقتصاد منكمش حالياً عند مستوى يقارب 6 في المئة.
ولا بد من تسجيل أن الاتفاق لا يضمن "حق" تخصيب الأورانيوم، إذ تُرك الأمر للمفاوضات النهائية، وإن تكن معاهدة منع الانتشار النووي تضمن لموقِّعيها امتلاك الطاقة النووية السلمية. الثغر الحقيقية تكمن في ما هو أعمق، مثل عدم ذكر الجوانب العسكرية المفترضة للبرنامج الإيراني ولا تحديد عدد أجهزة الطرد المركزي التي يمكن طهران الإبقاء عليها في ناتانز وآليات التفتيش في منشأة بارشي، وكذلك إغفال جدول زمني لتخفيف العقوبات. ومنذ التوقيع، لم توقف طهران العمل في أي من منشآتها، بما فيها أراك التي يطلب المجتمع الدولي إبدال مفاعلها للماء الثقيل بآخر خفيف.

صعوبات ما بعد الاتفاق
وإلى العقبات التقنية، هناك عصا العقوبات الإضافية التي يصر مشرعون أميركيون بارزون على إشهارها في وجه إيران وأوباما معاً. ففي مشروع القانون الذي قدمه رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ السناتور الديموقراطي روبرت مننديز مع زميله ومحازبه تشاك شومر والجمهوري مارك كيرك، خنق إضافي لقطاعات النفط والشحن والتعدين الإيرانية، لو فشل الاتفاق أو تورطت طهران في "أعمال إرهابية تطال مصالح أميركية".
ويسترعي الانتباه أن النص يورد أنه إذا شنت تل أبيب عملا عسكرياً "في دفاع شرعي عن النفس يستهدف برنامج التسلح النووي الإيراني، فإن على الولايات المتحدة الوقوف بجانب اسرائيل في دفاعها عن أراضيها وشعبها ووجودها". وليس ذكر الدولة العبرية تفصيلاً عابراً، فمستشارة الأمن القومي سوزان رايس أطلعت نظيرها الإسرائيلي يوسي كوهين على تفاصيل المسار التفاوضي، على رغم أن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف جزم أن بلاده ستقاطع أي مفاوضات يشارك فيها "الكيان المحتل للقدس".
ومن المفارقات أن الكونغرس يضع العصي في دواليب أوباما للمرة الثانية في أشهر بعدما فرض عليه التراجع عن الخيار العسكري في سوريا. وثمة أصوات يهودية أميركية مقتنعة بأن تخاذل واشنطن أمام بشار الأسد عزز الموقف التفاوضي للنظام الإيراني فأهداه فرصة ثمينة لإنعاش اقتصاده مما قد يخفف الاحتقانات الداخلية.
وباستثناء رفض أي دور لإسرائيل، يصح القول إن الجمهورية الإسلامية لم تضع شروطاً جديدة لإنجاح خطة العمل المشتركة والانطلاق منها إلى تسوية نهائية. فها هو علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، يؤكد أن التوصل إلى اتفاق دائم ممكن، وخطيب صلاة الجمعة المتشدد آية الله أحمد خاتمي يحض على مواصلة الجهود الديبلوماسية بـ"روح المقاومة الثورية".
وفي مقابلة مع مجلة "تايم" وأخرى مع "الواشنطن بوست"، أصر ظريف على أن مستوى التخصيب ليس مهماً، بل ضمان استخدام الأورانيوم لغايات سلمية. وأكد أن بلاده لن تبدل طبيعة مفاعل أراك "بعد استثمار الكثير من الوقت والجهد" لإنتاج النظائر المشعة لغايات حربية. لكن ذلك "لا يعني أننا كنا نريد مفاعلا بالماء الثقيل بهدف استخراج البلوتونيوم، بل لأن تلك كانت التكنولوجيا الوحيدة المتاحة حين بدأنا المشروع". ولكنه أقر بأن "تقديم ضمانات بأن المفاعل سلمي الاستخدام من أكبر عقبات التفاوض".

البيت الإيراني
ولا بد من التسجيل "ان ما يتطلع إليه شباب إيران يتجاوز الاتفاق النووي وانتعاش الاقتصاد، ففي نظر كثيرين، لا بد من تكرار السعي لإصلاح النظام.
قبل أسبوعين هتف طلاب في حرم جامعة شهيد بيهيستي بطهران باسمي زعيمي المعارضة مير حسين موسوي ومهدي كروبي. وبعد ذلك بأيام وجه تسعة سياسيين رسالة الى روحاني للمطالبة برفع الاقامة الجبرية عنهما. وتعذر على الرئيس السابق محمد خاتمي التوجه الى جنوب افريقيا للمشاركة في وداع زعيمها نلسون مانديلا، وسط أنباء عن منعه من السفر.
في 26 تشرين الثاني، مرت الأيام المئة الاولى من رئاسة روحاني. والانجازات الى اليوم ديبلوماسية الطابع، سواء الاتفاق النووي الموقت او تعيين نساء في مناصب مهمة، وقبل ذلك استضافة قمة منظمة عدم الانحياز. وكذلك تسجل جولة ظريف الخليجية التي وصفها بأنها "شديدة الايجابية"، وان يكن اشار الى "مشكلة في تنظيم الاجتماعات" حالت دون زيارته الرياض، في انتظار "وقت اكثر ملاءمة". لكن ليس سرا ان "المشكلة" بين بلاده والسعودية تمتد من العراق الى اليمن والبحرين، مروراً بلبنان وخصوصاً سوريا.
واذا كان زخم الآمال التي اينعت بانتخاب روحاني لم يتبدد بعد، فمن الخطأ الاعتقاد ان محاولة بناء الثقة مع الغرب ستؤدي بالضرورة الى توسيع هوامش الوضع الداخلي. وحذرت المحامية شيرين عبادي، حاملة جائزة نوبل للسلام، المجتمع الدولي من تجاهل انتهاكات حقوق الانسان في بلادها لإنجاح الصفقة النووية. فمن تهافت الشركات العالمية على العودة إلى إيران، لن يلتفت أحد لمصير معارضين خلف القضبان. ويبقى على روحاني تذكر تعهداته ومحاولة تنفيذها في نظام يمسك بمفاصله المرشد الأعلى ويتفشى في قطاعاته نفوذ الحرس الثوري "الباسدران".
وفي كل الأحوال، سيكون 2014 مصيرياً وحاسماً بالنسبة الى الجمهورية الاسلامية وامتدادها الاقليمي وحضورها الدولي. اما "تطبيق الديموقراطية والمشاركة في إحداث تغيير (فعلي) من خلال صناديق الاقتراع" الذي تحدث عنه ظريف في مقال وجهه عبر "الشرق الأوسط" الى "جيراننا" الخليجيين، فلم يحل بعد.

Sawssan.abouzahr@annahar.com.lb Twitter:@SawssanAbouZahr

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard