سنة 2013: محطات الأزمات والحروب في لبنان والمنطقة الحرب السورية تسلّلت إلى لبنان: الجهاديون و"حزب الله" وجهاً لوجه على الجبهات الكامنة

24 كانون الأول 2013 | 00:00

لم يجدِ شعار "النأي بالنفس" خلال سنة 2013، ولا أدى الى تجنيب لبنان الكأس المرة. فقد تسللت الحرب الأهلية السورية إليه عبر الحدود المشرعة على علامات استفهام كبيرة لتشعل الجبهات الكامنة بين الطوائف المسلحة.

في طرابلس التي تحولت نسخة عن مدينة حلب المقسمة بين النظام السوري ومعارضيه، أو في صيدا التي يراد لها ان تخرج عما تبقى من الانتظام العام لكي تتحول متراساً متقدماً في سياق الحرب الدائرة وصولاً الى مواجهة مع المؤسسة العسكرية و"حزب الله"، والمقصود كل الشيعية السياسية المقيمة على تحالف راسخ مع النظام السوري. اما في جرود السلسلة الشرقية لجبال لبنان، فقد امتد الاشتباك الامني والعسكري والسياسي من منطقة القلمون وغوطة دمشق الشرقية والغربية الى تلك الهضاب الوعرة المنسية ليحوّل عرسال واللبوة والهرمل محاور عسكرية وامنية يقال ان السيارات المفخخة التي ضربت الضاحية الجنوبية والسفارة الايرانية والتي تهدد المزيد من المناطق إنما تجد سبيلها الى الانطلاق من تلك البقعة الملتهبة.

تشارف الحرب الاهلية السورية طي عامها الثالث، واللبنانيون لا يزالون في خصام حيال تحديد من تورط في ذلك النزاع اولاً. فريق 8 آذار وعلى رأسه "حزب الله"، لا يتردد في إلقاء اللوم على "تيار المستقبل" ومن معه في ارسال السلاح والذخيرة والدعم، في حين يتمسك فريق 14 آذار برواية حفاضات الاطفال وعلب الحليب والتأييد السياسي اللامحدود للمعارضات السورية. وبين هذين الموقفين ترتفع وتيرة العصبيات الطائفية والمذهبية ومعها يتقدم النزاع في لبنان الى مستويات غير مسبوقة من التحدي بين السنية السياسية والشيعية السياسية ومن ورائهما كل مواليهم من الطوائف الاخرى. والعنوان الابرز للصراع الذي اسقط كل الخطوط الحمر كان دخول عامل الانتحاريين على خط التوتر الامني. ورغم ان الجميع تقريباً كانوا يتجنبون الكلام على دخول المتشددين على خط الاشتباك في لبنان ويبحثون عن اسباب التنصل من فكرة وجود "غول" التنظيمات التكفيرية والجهادية والادعاء انها مجرد تنظيمات صغيرة محاصرة في هذا المخيم او تلك الناحية، الا ان ما جرى امام السفارة الايرانية وعند حاجزي الاولي ومجدليون، اعاد خلط الامور واثبت الشك باليقين ان الانتحاريين ليسوا بعيدين عن الساحة اللبنانية، وانهم ليسوا غرباء عنها بل هم لبنانيون موجودون ويتحركون وقادرون "على الضرب" متى اتيحت لهم الفرصة. الاخطر في عنوان الانتحاريين على الساحة اللبنانية انهم يمثلون تطوراً نوعياً، لا لجهة استعارة نماذج "انتحاريي طالبان" والعراق فحسب، بل لان مشاركة اللبنانيين في هذا الفعل التدميري الانتحاري يؤشر الى درجة التعبئة النفسية والحشد المعنوي الذي بلغ ذروته بين الطوائف اللبنانية على نحو غير مسبوق، اذ رغم كل العنف المتمادي بين الجماعات اللبنانية الا أنها لم تستعمل سلاح القتل الشامل هذا في حروبها منذ عام 1975، واقتصر استخدامه على "الاستشهاديين" لدى "حزب الله" والحزبين الشيوعي والسوري القومي في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي او ضد القوات الاميركية والفرنسية خلال عامي 1982 – 1983.
يميز الخبراء بين نوعين من الارهاب، الظرفي منه والناجم عن عنف محدود في الزمان والمكان، والواضح من مراجعة حركة "الانتحاريين" ان اللبنانيين امام ارهاب منظم ومجموعة او مجموعات تعتمد هذه الوسيلة في خياراتها بكل هدوء اعصاب وتخطيط مع ما يعنيه هذا الامر من حاجة الى توفير البيئة الحاضنة ومقومات الاسناد والدعم والحماية والتموين والرصد وما الى ذلك.
ويقود الكلام السالف على ارتفاع منسوب الخطر الذي تشكله الجماعات الجهادية والتكفيرية الى معطى اكثر خطورة يتمثل في تراجع او انحسار دور الاعتدال امام هذه الحركة التعبوية التي تحسن استخدام وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي وتعمل على اكتساب مزيد من الانصار. وبهذا المعنى يصبح تحذير النائب وليد جنبلاط من ذريعة الانكفاء التي تنتهجها بعض القوى والتي ستؤدي الى ملء الفراغ من التيارات المتطرفة والتكفيرية اكثر من مفهوم لجهة القضاء على الاعتدال. واياً كانت اتهامات "حزب الله" لـ 14 اذار بالتغطية على التكفيريين، الا ان ذلك لا يلغي حقيقة ان تراجع دور الاعتدال وانكفائه على المستوى السني ادى الى تقدم المتشددين بدليل ما يجري في طرابلس وما جرى في صيدا من ظاهرة مجموعة الشيخ احمد الاسير والذي لم تنتهٍ فصوله على ما يبدو، وهو مرشح للاتساع في ضوء ما حصل في صيدا نهاية الاسبوع من هجمات على مواقع للجيش، ما يؤشر الى استمرار "حبل السرة" الذي يحرك المجموعات المتشددة في تلك الناحية، خصوصاً ان زعيم "جبهة النصرة" الجولاني لم يجد غضاضة في الاعلان انه يريد مؤازرة اهل السنّة في لبنان، ويمكن تصور طبيعة هذه المساندة وحجمها وشكلها.

"حزب الله" في سوريا
المعلم الثاني في مسار 2013 كان انكشاف التورط العسكري لـ"حزب الله" في الحرب الاهلية السورية في شكل علني وتحديداً منذ معركة بلدة القصير السورية المتاخمة للانحاء الشمالية الشرقية من لبنان، ولم يعد الكلام على مجرد متطوعين يقاتلون دفاعاً عن مقامات دينية محدودة. وهكذا جاء كلام الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في خطبه الدورية ليحسم الامر بالتصدي لمحاولات اسقاط محور الممانعة الايراني – السوري ومواجهة كل ما يضعف "المقاومة الاسلامية"، وليضيف اسباباً اخرى تتمثل في حماية المقامات والمزارات الشيعية في سوريا وتحديداً في دمشق وانحائها.
استدرج التورط العسكري للحزب الشيعي المقاتل في سوريا ردوداً انتقامية من الجهاديين السوريين الاسلاميين الذين توعدوا بالرد ونفذوا تهديداتهم بتفجيرات ضربت الضاحية الجنوبية والسفارة الايرانية وبمزيد من الانتحاريين والمتفجرات. ورغم اكتشاف الاجهزة الامنية حلقات من الشبكات التي قيل انها خططت لهذه الهجمات ونفذتها الا ان استمرار التهديد بالسيارات المفخخة يؤشر الى وجود مستويات عدة من العمل التنظيمي الذي يعمل على كيل مزيد من الضربات لقوى "حزب الله" وبيئته بدليل ما جرى في اللبوة الاسبوع الفائت. ويمكن اختصار هذا الصراع غير المسبوق بأنه نتاج حرب سرية استخباراتية بين تنظيمات متشددة تملك بنية متماسكة تنظيمياً وعقائدياً واجهزة أمنية تعمل استناداً الى مبدأ "الردع وضرب اوكار الارهابيين"، الامر الذي يجد فيه "حزب الله" مسوغاً آخر لتبرير ارسال وحداته الى الاراضي السورية للقتال هناك ويختصر بملاحقة التكفيريين والجهاديين ومهاجمتهم في سوريا قبل ان يهاجموا لبنان. وهذه النظرية تبدو فاعلة في حال تمكن النظام السوري من الامساك بالارض كاملة، لكن مسار الامور يشي بأن الحسم مستبعد والحرب تطوي الايام من دون مقدرة اي من الاطراف على ذلك. والتهديد الآخر يتمثل في ان ظاهرة الانتحاريين اللبنانيين تعني ان الامور اصبحت داخل البيت اللبناني ولم تعد على صلة بالتطورات السورية.
المعلم الثالث في مسار توترات سنة 2013 وخط بيانها الامني هو الدور الوازن لا بل الحاسم الذي تنهض به مؤسسة الجيش على كامل الاراضي اللبنانية، ويمكن تصور حجم الفوضى المضاعفة التي كان يمكن ان يغرق لبنان فيها لولا حضور مؤسسة الجيش الذي يلقى تأييداً (اقله علناً) من جميع اللبنانيين. صحيح ان ثمة ملاحظات يبديها البعض على عمل المؤسسة العسكرية وتحتمل النقاش الكثير لجهة صوابيتها ام لا، لكن الاساس ان ثمة ميزاناً دقيقاً يحكم انتظام الامور ويمنع انزلاق الوضع الى مواجهات شاملة. وهذا الميزان يحسن الجيش الامساك به وخصوصاً في التعامل مع الجانب الامني او الارهابي اذا صح التعبير، علماً ان هذا الامر يرتب على الجيش والمؤسسات الامنية اثماناً باهظة مادية ومعنوية، ما يحتاج الى جهد كبير للتعامل معه. ويمكن تصور الامور في صيدا او طرابلس او عرسال وحتى أزقة بيروت لولا وجود الجيش والاجماع الذي يحظى به من الغالبية الساحقة من اللبنانيين.

pierre.atallah@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard