حوار - الفرنسي جيروم فيراري الفائز بجائزة "غونكور" 2012 لـ"النهار": كورسيكا كلبنان أرضٌ للمنفى المغتربون عنها أكثر من المقيمين فيها

24 كانون الأول 2013 | 00:00

(حسن عسل)

قلائل في المشهد الكتابي الفرنسي يتجاسرون على استدعاء شخصية محورية من مثل القديس واللاهوتي القديس أغسطينوس ليجعلوه محرّض نص تخييلي. لكن الكاتب الفرنسي جيروم فيراري القادم من الفلسفة انخرط في مغامرة التجريب، من دون المخاطرة في أن تحيد بوصلة نصه السردية، فاستحق في 2012 جائزة "غونكور" عن روايته "عظة سقوط روما". فيراري ابن "جزيرة الحُسن" كورسيكا حيث اقام قبل انتقاله الى الجزائر وأبو ظبي، وهو سليل الترحّل الذي ورِثَه في الجينات، على ما يطلعنا في حوار أجريناه معه على هامش "معرض الكتاب الفرنكوفوني" في بيروت.

¶ منَحَتك روايتك "عظة سقوط روما" جائزة "غونكور" 2012 حيث تقترض صوت الفيلسوف واللاهوتي القديس أغسطينوس. هل يسمح استدعاؤه بقراءة فلسفيّة لنصّك، وهل تعيد رسم الحدود بين الأدب والفلسفة؟
- لا يحضر القديس أغسطينوس كفيلسوف بل كأسقف عبر عظاته. لا أظن قراءة الرواية فلسفياً ممكنة. شكّلت الفلسفة مصدر إلهام لي طبعا، لكن حضور لايبنيز كفيلسوف، أبرز من حضور القديس أغسطينوس في النص. أتمنى أن تقارب الرواية أدبيّا وليس فلسفيا، لأني لا أعتبر الرواية أداة لنشر الفكر الفلسفي. من مصلحة الرواية أن تنشغل بأمور أخرى.
¶ على خلاف السائد في المشهد الأدبي الفرنسي، عادت "عظة سقوط روما" الى القرية لتشكّل حالة خاصة. علِمتَ بنيلك "غونكور" في عام انتقالِكَ الى أبو ظبي حيث تعمل أستاذا للفلسفة ومستشارا تربويا في "الليسيه الفرنسية". فهل يصير بُعدك الجغرافي من فرنسا، والأدبي من حلقات الكتّاب الباريسية، عائقا أم مناعة؟
- لا أعرف إذا كان عائقا، لأني عشتُ في الأطراف دوما. أمضيتُ الجزء الأكبر من حياتي في كورسيكا ودرَّست في "الليسيه الفرنسية" في الجزائر فأبو ظبي. تصيبين في القول ان طرفيّتي ليست جغرافية فحسب. تتموضع فرنسا حول عاصمتها، وهذه خاصية محليّة بلا ريب، بينما لم تكن مصادر إلهامي مركزيّة يوماً. لطالما كتبتُ روايات تطوّرت خارج فرنسا. أما في ما يعني جائزة "غونكور"، فسمح لي البُعد بتفادي الإنخراط في الصعود الدراماتيكي الذي يختبره الفائزون، وإن ليس تماما، لأن وفرة وسائل الإعلام الفرنسية برهنت ان البُعد نسبي. عندما نلتُ الجائزة، كنتُ بعيدا ومنهمكا بأمور أخرى. لو أقمتُ في باريس آنذاك، لكان وضعي النفساني أسوأ بكثير!
¶ ظاهريّاً الرواية قصة أسرة من كورسيكا في القرن الحادي والعشرين، تلاحقها اللعنة، من الجدّ مارسيل أنطونيني إلى الحفيد ماتيو، لكنها صدى لمغامرة الناس الجماعيّة، خصوصا. هل إضطررتَ بغية إتمام روايتك الأمثولة عن العالم المعاصر، الى أن تقلّ في الحوارات والمقاطِع؟
- أرجو أن يلائم الشكل المضمون، لأنه يصعب في الأدب، الفصل بينهما. أميل الى المحافظة على النمط المتتابع. لا يهمني الإمتداد وإنما المتابعة. لهذا السبب لا تتخذ الحوارات الشكل التقليدي كما في رواياتي الأخرى، لأني خشيتُ أن تؤثّر في تماسك النص. الحوارات في الرواية جزء من النص وتساهم في توفير التماسك.
¶ القديس أغسطينوس محرّض روايتك وتقترض من عظاته عن سقوط روما عناوين كل فصولها، دون الأخير. يقول القديس "العالم مثل الإنسان: يولد ويكبر ويموت"، بينما تعلن مبكرا ان مشروع طالبَي الفلسفة ماتيو وليبيرو لإدارة حانة في كورسيكا، سيفضي الى "ليلة من النهب والدم". أهذه حكاية موت عالم معلنة؟
- يقوم مشروع الرواية على جملة القديس أغسطينوس ومرماه إظهار عوالم عدة في طور الولادة والنشأة والموت. نعلم منذ البدء أن الأمور ستنتهي على نحو سيئ. القديس أغسطينوس محرّض النص وتنحصر قيمة عظاته التاريخية في التعليق على حدث سقوط روما، في القرن الخامس بعد المسيح. أما المثير للإهتمام في النصوص فاعتماد أغسطينوس على سقوط روما لإظهار هشاشة الحياة البشرية وجميع مشاريع الإنسان أيضا، وللقول انها مرصودة للتفتت والتلاشي وهو لا يستثني تلك التي تبدو أبديّة ولا تقهر، مثل الأمبراطوريات العظيمة. تخرج الفكرة على أيّ حدث آني، وهنا قدرة الأدب تحديدا، ان يجري الإنطلاق من حدث واحد للوصول الى موضوع يخصّ الوضع البشري. في الرواية لا يمكن التطرّق الى الوضع البشري على نحو عام وتجريدي، لأن مواد الرواية تقوم على الإستثناء، وعلى الشخوص، في محاولة للتعبير عن بعض الأمور من خلالهم، بغية جعلهم شفافين.
¶ كأن روايتك تتناول الصراع بين قدريّة الموت وبصيص القيامة. يقول أغسطينوس في عظاته: "لا تخش شيئا، سيتجدّد شبابك كشباب الصقر"، بينما يكتب همنغواي في "العجوز والبحر": "لم يُصنع الإنسان للهزيمة. يمكن أن يُدَمَّر ولكن يستحيل ان يُهزَم". هل الموت والحياة الموضوعان الوحيدان الصالحان في الأدب؟
- لا يسعني ان أحدّد الموضوعات الصالحة في الأدب، لكننا إذا فكّرنا في المسألة ملياً، لوجدنا ان الحياة والموت يلخّصان تقريبا كل ما نرغب في الحديث عنه في كل نص. أفترض ان كل رواية تتناولهما في شكل أو آخر. تغرف أذواقي الأدبية والفلسفية من المصدر عينه، من الإنبهار إزاء وضع الإنسان المأسوي. جملة همنغواي رائعة فعلا لم أكن أعرفها، غير انها تختصر الجانب التراجيدي في الإنسان ومصادر عظمته. أهتم لهذا الشدّ بين الجانبين.
¶ يُشعرنا الفصل الأول أننا في العالم وخارجه. يغيب مارسيل انطونيني من صورة عائليّة التقطت في 1918، وتكتب عند ولادته عن والديه الجالسين الى جانب مهده: "نظرا إليه في فيض من الحنين، كأنهما فقداه". أهذه مقاربة دائرية للزمن؟
- دائرية لأنها شاملة. ترتبط هذه الجملة بمرض الطفل، وهما يظنّانه سيموت. لكنها تشير الى أمر سواه أيضا. ينظران إليه كأن الوقت مرّ وانتهى كل شيء. كأننا ندرك الأمور الراهنة عبر النظر إليها من حيث باتت غير موجودة. نختبر التجربة عينها حين ننظر الى الصور، وأنا حسّاس جدا إزاء الصور العائلية، خصوصا، لأنها تجمّد على الورق أمورا تبدَّدَت.
¶ ثمة صورة عائلية شكّلت مصدر إلهامك في الرواية.
- أجل سأريكِ إياها (يُخرج هاتفه المحمول حيث حُفظت الصورة). كانت عند شقيق جدي. أذكر اني رأيتها، لكني لم أعد إليها سوى بعد انتهائي من الكتابة خوفا من أن تلوّث شخوصي. التُقطت الصورة في 1916، في كورسيكا. هنا والدة جدّتي وجدّتي وأشقاؤها. آنذاك كان والد جدتي يحارب على الجبهة. استبقيت من الصورة وجوه الأطفال الفازعة، تسلّل اليَّ إحساس بأنهم يشاهدون أمرا مرعبا. ربما كانت الخشية من العالم في تلك الحقبة.
¶ نقرأ في نهاية روايتك: "لا نعلم ما تقوم عليه العوالم فعلا. لكن في وسعنا تربّص إشارات نهايتها". إشارات مثل نصب الموتى المرتفعة بالقرب من والد مارسيل وهو يزرع "أراضي لم يملكها". أتُذكّرنا بصغرنا أمام كِبَر العالم؟
- يتّصل المقتطف بكورسيكا وحرب 1914 الصعبة التي قضت على كل الجوانب التقليدية في مجتمع الجزيرة، بينما لم ينبثق مجتمع حديث إلاّ بعد أعوام عدة. بدءا من العشرينات من القرن العشرين، لم نكن نجد سوى نصب الأموات، بينما أهملت الأراضي، فصارت كورسيكا أرضا للمنفى، وإن ليس بقدر لبنان. ثمة قاسم مشترك بين بلدينا حيث يفوق عدد المغتربين عدد المقيمين. لطالما كانت كورسيكا أرضاً تعدّ للمنفى. ولِدَت والدتي في دمشق في 1933 حيث كان التحق جدي بجيش الإستعمار. أما والدي فرأى النور في الرباط حيث عمل جدّي موظفا في إدارة الإستعمار.
¶ يبدو إذاً ان الإقامة في التخوم واقع يسري في جيناتك...
- تماما، أدركتُ أخيرا اني أكمل تقليدا عائليا بل واجتماعيا حتى. لم يغادر أسلافي بلادهم بملء إرادتهم بل بسبب ظروفهم المعيشية الصعبة. لكن ذلك يفسر بلا شك إحساسا ملتبسا لدى مجايلي جدّي ويتوزّع بين حبّ قريتهم وبين الحقد عليها. لكن الحبّ أكبر من الحقد، في كل حال.
¶ ليست الجزائر التي تتحدث عنها في "حيث تركتُ روحي" ذريعة أو ديكورا، وهذه حال كورسيكا في "عظة سقوط روما". تستخدم المكان آليةً للإفصاح عن الأفكار البشرية. فماذا عن الآلية التي تتبعها لجعل مكان الحبكة قابلاً للتصديق؟
- أظنها مسارات تأليفية على شفا اللاوعي. أتصور اننا وفي خضم اخبار أي حكاية، نخبر المكان أيضا. أحتاج الى ان أتواصل مع الواقع لأجد مصدر إلهام. لا يمكن أن أكتب إلاّ بدءا من الواقع، وكورسيكا هي أكثر ما أعرفه في العالم. لم أكن لأنجز "حيث تركتُ روحي" لو لم أقم في الجزائر. أحتاج الى المعرفة الميدانية لأولّف. بعدذاك صارت الجزائر بأهمية كورسيكا بالنسبة لي تقريبا وهي موجودة في كل رواياتي وإن بأشكال مختلفة. أشعر بحنان كبير إزاء الجزائر. لا بدّ اني أتعاطف مع البلدان المتألمّة.

roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard