إعطاءَ الجواز الفلسطيني وجه من وجوه منع التوطين

5 شباط 2019 | 00:00

تختار "قضايا النهار" اليوم بالتعاون والتنسيق مع لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، وهي هيئة رسمية لبنانية تعمل في السرايا الحكومية وتابعة لرئيس مجلس الوزراء ويرأسها الوزير السابق الدكتور حسن منيمنة وتدير تحرير نشْرتِها الزميلة إيمان شمص، تختار نشرَ بعض مواد ملحق "جسور" الفصلي الجديد الصادر عن اللجنة، وهو الثاني لها.

لم يشهد التاريخ ظلماً مركباً وفادحاً ومتمادياً كالظلم الذي يعانيه الشعب الفلسطيني، على أرضه أو في الشتات. ولا تستطيع دولة أو منظمة دولية أو إقليمية أن تدّعي براءتها من مأساة هذا الشعب، فمن لم يسهم في الوعد بإنشاء دولة إسرائيل، أسهم في الدعم، أو التسليح، أو تشكيل رعاية دولية وحماية معنوية، وإمداد مالي. ومن لم يشارك فيما في ما ذكرنا، شارك في التواطؤ وإشاحة النظر، أو الإهمال، أو تقديم الرعايات المنقوصة لشعب ذهب إلى الخيام وفي ظنه أن إقامته لن تتعدى الأيام، فصارت الخيمة بيته وقبره، وشاركت عناصرُ الطبيعة في ظلمه بالاتحاد والانفراد مع الغارات الإسرائيلية، والاشتباكات الداخلية، والاضطهاد الشقيق، والتمييز العنصري، ونقصان الأهلية القانونية والوطنية...

ولقد أفضى هذا الظلم المزمن، في ما أفضى إليه، إلى أن الفلسطينيين أصبحوا يشكلون ديموغرافية منفصلة عن محيطها قانوناً، متصلة به في ما تعدى ذلك، ثمَّ تحوّل الاحتضان في بداية الهجرة، إلى ارتياب فعداوة فاحتراب..

وتقتضيني قولة الحق أن أشير إلى أن القضية الفلسطينية التي كانت توحّد العرب من مشرقهم إلى مغربهم، أصبحت مسألة خلافية حتى بين صفوف الشعب الفلسطيني نفسه، منذ عجزت المنظمات الفلسطينية عن محاربة عدوها، فانصرفت إلى الاقتتال في ما بينها، حتى إنَّ الواحدة منها لَتُطلقُ النار على شقيقتها تحت شعار التحرير، الذي كثيراً ما تضاءل إلى مستوى البحث عن هدنة مؤقتة تؤمّن للمواطنين المحتجزين فسحة لشراء طعام أو شراب.

كان الناظم الوطني التاريخي الذي يشدّ الفلسطينيين بعضهم إلى بعض، على اختلاف أوضاعهم الدينية أو الاجتماعية أو الطبقية، هو حصانة الهوية. ولكن هجرة كثير من النخب، وتضاؤل التنوّع الديني إلى حدِّ حفظ المظاهر، ومشاكلهم مع "الأونروا"، وقضم الارض، وشظف العيش، والأمل المفقود، والتضامن الضائع، إضافة إلى عمليات الاستتباع التي مارستها الأنظمة العربية عليهم، أو عمليات القهر المسلح والتهجير من المخيمات... كلُّ هذه أصابت ذلك الناظم بتهتك خطير..

أردت من هذه المقدمة أن أنتقل إلى نتائج تلك المظالم التي تتوالد بصورة عشوائية، من غير أن تكون هناك ضوابط توقف تفلّتها، أو علاجات تخفّف آثارها الانسانية..

ففي لبنان، لا يمكن للمواطن الفلسطيني أن يتملّك عقاراً بحسب القانون، الأمر الذي دعا كثيرين إلى محاولات ابتكار معادلات قانونية التفافية لتدارك معضلة قد تصبح في المستقبل بلا حل، يلجأ فيها المالكون الفلسطينيون إلى الأسماء اللبنانية المستعارة، وهذه الأسماء ستتحوّل في يوم ما إلى وَرَثة، وورثة ورثة، الأمر الذي يجعل هذا الحل المؤقت المخالف للقانون، منطوياً على ما لا تحمد آثاره..

والمواطن الفلسطيني غير مضمون، في الوقت الذي تتضاءل فيه الخدمات التي تقدمها "الأونروا" إلى حد الزوال، بعد أن قررت أميركا، ومعها بعض المانحين الآخرين، وقف المساعدات، لأن المجتمع الدولي، بعد أن وطد دعائم اسرائيل، تنصل من تبعات فعله، وترك الفلسطينيين غرباء في أرضهم ومضطهدين في شتاتهم. إن منع توطين الفلسطينيين في لبنان من خلال الفقرة - ط - من مقدمة الدستور، فيه تمسك بهويتهم الأصلية وبالعودة إلى دولتهم المستقلة، ولكن هذا يجعل من إقامتهم أمراً بالغ التعقيد والإجحاف، لأن اللاجئ الفلسطيني في لبنان، مع حرمانه من مميّزات المواطن، وحقوق الأجنبي الذي يعيش على الأرض اللبنانية، يصبح مخلوقاً منتقص الإنسانية، مستجمِعاً في ذاتِه لقلقٍ كبيرٍ لا بدَّ أن يستشري في البيئة التي حوله، ويجعلَها عرضةً لخضّاتٍ اجتماعية وأمنية وجرمية.... فضلًا عن أن هذا الإجحافَ يعتبر انتهاكاً لمبادئ حقوق الإنسان.

بعد هذا العرض، وجدت أن مشاركتي في "جسور"، تقتضي أن أطرح اقتراحاً، قد تعوزه دراسات هادئة، ولكنه صالح ليكون بداية للخروج من دوّامة العجز واجترار الكلام، إلى منصة قد يلتقي فوقها مفكرون وأصحاب رأي للعودة إلى الأصل، وهي أن لكل مواطن فلسطيني جنسيته الأصلية، هي جنسية فلسطين، وله جواز سفره المعتمد الذي تصدره السلطة الفلسطينية لكل من يتحدّر من ذلك الأصل.

هذا أمر نصّت عليه إتفاقية أوسلو. لكنها، بخصوص فلسطينييّ الشتات خصوصاً، قيّدته بالإجراءات التي يسمح بها الاحتلال الاسرائيلي. ولكنْ، ما دام بإمكان السفارات الفلسطينية المعتمده في الدول العربية إصدار هذا الجواز، فإنني أقترحُ أن يُعامَلَ حاملُه في لبنان معاملة أيّ أجنبيٍّ آخر، وأن ينال من الحقوق ما يناله سواه من حاملي الجنسيات الأجنبية. هذا لا يخالف المبدأ الدستوري المتعلّق بمنع التوطين، ذلك أن تملُّكَ الأميركي أو الكويتي أو الفرنسي مثلاً شقة في لبنان، لا يمكن اعتباره باباً لتوطين هؤلاء وتحويلهم إلى لبنانيين، فلماذا لا تطبّق القاعدة نفسها على حاملي الجوازات الفلسطينية؟ إنَّ إعطاءَ الجواز الفلسطيني كاملَ مفاعيله يشكلُ في الحقيقة وجهاً من وجوه منع التوطين، لأنّه يجعلُ حاملَه متشبِّثاً به، أي بهويته وحقِّه في العودة إلى أرضه المغتصبة، بدلاً من السعي إلى التفتيش عن جنسياتٍ أخرى تقبلُ به مواطناً محترماً غيرَ ناقصِ الحقوق.

إن الجمعية العامة للأمم المتحدة بأكثرية أعضائها اعترفت بدولة فلسطين، فلا أقل بعد هذا من ترجمة هذا الاعتراف، باحترام المفاعيل القانونية للجواز الذي تصدره السلطة، حماية لدوام الانتماء وتسهيلاً لحياة الفلسطيني الذي يحق له أن يعيش كأجنبي محترم في البلاد التي يقيم فيها.

هذه فكرة للنقاش، أسوقها في ظل ظروف التقهقر العربي، وتراجع الصراع مع إسرائيل إلى الصفوف الخلفية، من أجل أن يبقى لمستقبل الشعب الفلسطيني، هوية يعترف بها الأشقاء والأصدقاء، تتسلَّح بها الأجيالُ من أجل استعادة الحقوق.

تجدر الإشارة في النهاية، إلى أن اكتساب الجنسية اللبنانية يخضع لشروط قانونية صارمة لا تنطبق على أي مقيم على الأرض اللبنانية مهما طالت إقامته، . كما أن عملية توطين الفلسطينيين، تصطدم بنص الدستور بالإضافة إلى أن العقبة الكبرى، التي يجب أن تدوم في وجهه، هي رفض هذا الأمر من قبل اللبنانيين والفلسطينيين معاً، مهما حاولت الضغوط الدولية،. فالموقف المنسّق الوطني القومي فيه الضمانة والأمان من إعادة استيلاد نزاعات جديدة، دفع اللبنانيّون والفلسطينيون فيها الأثمان الباهظة والأليمة.

نقيب محامي الشمال ووزير سابق

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard