الشباب الفلسطيني في لبنان: طموحات التغيير أقوى من التهميش

5 شباط 2019 | 00:00

تختار "قضايا النهار" اليوم بالتعاون والتنسيق مع لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، وهي هيئة رسمية لبنانية تعمل في السرايا الحكومية وتابعة لرئيس مجلس الوزراء ويرأسها الوزير السابق الدكتور حسن منيمنة وتدير تحرير نشْرتِها الزميلة إيمان شمص، تختار نشرَ بعض مواد ملحق "جسور" الفصلي الجديد الصادر عن اللجنة، وهو الثاني لها.

يعاني الشباب الفلسطيني في لبنان تهميشاً مزدوجاً، أولاً بوصفهم جزءاً من اللاجئين، ضحايا صراع سياسي دولي واقليمي وداخلي ومحلي، وثانياً لكونهم من جيل الشباب العربي الذي يسود في أوساطه شعور عام بالإحباط والقلق والخوف من المستقبل بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية بشكل عام، ما يؤثر على استقلالهم وحياتهم المهنية.

والشباب هم القسم الأكبر من مكوّنات المجتمع الفلسطيني في لبنان، حيث تشكّل الفئات العمرية من 19-35 سنة نسبة 63% من مجموع اللاجئين الفلسطينيين وفقاً لنتائج التعداد العام للسكان والمساكن في المخيمات والتجمّعات الفلسطينية الذي قادته لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني، بالشركة مع إدارة الإحصاء المركزي اللبناني وجهاز الإحصاء الفلسطيني عام 2017. يعيش نحو 45% منهم في المُخيّمات في مناطق مكتظة غالباً ما تكون فيها البنية التحتيّة والبنى السكنية خطرة، وغالباً ما يكونون ضحايا، أو رهائن، أو مشاركين مضللين في صراعات مسلحة داخلية.

تحديات كثيرة تواجههم في لبنان يتوارثونها جيلاً بعد جيل:

يشكون من رؤية لبنانية مسيّسة ومعسكرة لهم بسبب هويتهم. يساهم في تعزيزها تداول صور نمطيّة متوارثة من ذاكرة الحرب الأهلية في لبنان عن الدور المثير للجدل للفلسطينيين فيها، وتركيز بعض وسائل الإعلام على تصوير المخيمات باعتبارها جيوباً غير منضبطة تعاني من إنعدام الأمن والتطرّف، يتجاهل أي قصص إيجابية عن قدرة المجتمع الفلسطيني على التكيّف والتحمّل بالرغم من كل التحديات، أو حتى عن الحياة الطبيعية اليومية فيه والتعايش السلمي مع جواره.

مسألة الحصول على الحقوق الأساسية عامل أساسي يُؤثّر على حياتهم بشكل كبير، ويؤدي بهم التمثيل القانوني الغامض للهوية الفلسطينية والقيود التي تمنع وصولهم إلى سوق العمل "الشرعي" وإلى البحث عن سبل عمل غير آمن، ما يضيف الى معاناتهم ندرة التمويل للمشاريع المُدرّة للدخل، وتراجع خدمات وكالة "الأونروا" في مجالات التعليم والصحة، وصعوبة المصالحة مع المجتمعات اللبنانية وتمييز اللبنانيين لهم خلال عمليات التوظيف، أو في السلوكيات الاجتماعية (مثل الزواج) أو من خلال الحكم الشخصي.

تفشّي البطالة في أوساطهم بنسبة 47 بالمئة للذكور و80 بالمئة للاناث؛ وتدني فرص الالتحاق بالتعليم العالي (نسبة 31% فقط تتمكن من إكمال الدراسة الثانوية و22% فقط تتمكن من متابعة الدراسة الجامعية)؛ واعتبار 57% منهم أن المخيمات الفلسطينية باتت تشكل مكاناً للقلق؛ وانسحاب الانقسام السياسي الفلسطيني على صفوفهم؛ وضغط الجيل الفلسطيني الاكبر سناً المنتقد لمواهبهم وطموحاتهم؛ وتسلل نظريات المؤامرة التي يروّج لها هذا الجيل حول تحدّي التقاليد الفلسطينية وكسب النفوذ السياسي أو نشر الفساد المالي في آرائهم... كلها عوامل اضافية تؤدي إلى شعور هؤلاء الشباب بعدم الأمان، وإلى انتشار آفات اجتماعية مثل إدمان المخدرات والشعور بالتبعية والاعتماد على الغير، أو اللجوء الى الهجرة كحل وحيد سواء تمّت بطرق شرعية أو غير شرعية (راجع موضوع الهجرة). حيث تبيّن أن أكثر من 40% من جميع المُهاجرين من الأسر الفلسطينية في لبنان هم من فئة الشباب، ويزيد احتمال هجرة الرجال أكثر من النساء الشابات بمعدل الضعف.

هذا بعض من يوميات الشباب الفلسطينيين الذين لم تنل صعابها من آمالهم بالتغيير. شباب ناشطون تحفّزهم رغبة حقيقية في التخفيف من الظروف القاسية في مجتمعاتهم، ومن القيود القانونيّة والظرفيّة في العديد من مجالات العمل المهنيّة. تشجعهم المشاريع الهادفة إلى تنمية المجتمع وبناء القدرات التي تُنفّذها بعض المؤسسات الرسمية والجمعيات والمُنظَّمات غير الحكوميّة في المُخيَّمات والتَّجمُّعات. يُكرّسون وقتهم الكامل للعمل الاجتماعي أو التطوّع في أوقات فراغهم في مختلف أنواع ومستويات أنشطة دعم المجتمع. يُبادرون إلى القيام بالعديد من الأنشطة والمشاريع، يستلهمون من قصص نجاحهم، والتأثير الملموس الذي يُحقّقونه في مجتمعاتهم. هم قادرون على "إنشاء شيء من لا شيء". يراهنون على مهاراتهم وعلى معرفتهم بسبل مناصرة قضاياهم، كما على قدرتهم على مواءمة طاقاتهم نحو التغيير من خلال التواصل الفعّال مع بعضهم بعضاً في لبنان والخارج. يعملون لإيجاد مساحات دائمة للإلتقاء ومناقشة المشاكل في بيئة حرة غير رسمية وآمنة. يريدون التعبير بحرية عن آرائهم ومعرفة كل ما لديهم من قواسم مشتركة. لذلك اختار الكثيرون منهم افتتاح مقاهٍ ثقافيَّة شبابيَّة داخل المخيمات وفي بعض الحالات خارجها. وهي مساحات تُمثّل محوراً لنشاط الشباب الإجتماعي الذي يجمع بين الفنون والحوار والوعي الاجتماعي والنشاط السياسي، وتحقيق الأرباح أيضاً. ويبدو أنها تستقطب الشباب اللبناني الذي يُثري التبادل الثقافي في بعض الأحيان.

المستقبل بالنسبة إليهم، كما لكل الشباب ليس كئيباً تماماً، يعملون بحماسة من أجل التخفيف من حدّة الظروف القاسية التي يعيشها مجتمعهم، ومن أجل التحرّر من القيود القانونية والظرفية في العديد من مجالات حياتهم. يتقاربون في هذه المعاناة مع الشباب اللبناني، يجمعهم سياسياً تعاطف بعضهم مع القضية الفلسطينية. لكن التعاطف اللبناني السائد مع هذه القضية لا يعني بالضرورة التعاطف مع تحسين أوضاع اللاجئين في لبنان. وإن كان هناك بعض التغييرات في المجتمع اللبناني التي تحمل احتمالات زيادة المساحة المتاحة للفلسطينيين فيه ليعيشوا حياة كريمة. في السنوات الأخيرة، تقارب مصير جيل من اللاجئين الفلسطينيين الشباب مع الشباب اللبنانيين، على الرغم من الأحكام المسبقة التي تمّ تشكيلها خلال الحرب الأهلية. وقد مثلت وثيقة "رؤية لبنانية موحّدة لشؤون اللاجئين الفلسطينيين في لبنان" التي صادقت عليها جميع الأحزاب الرئيسية اللبنانية عام 2016، منفذاً قانونياً الى سياسات مناسبة لمعالجة وضع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بشكل عام، بينما توصلت لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني الى وضع استراتيجيَّة خاصة للشباب الفلسطيني في لبنان (2019-2025) تهدف إلى تمكين الجهات المعنية اللبنانية والدولية المانحة من رؤية الاحتمالات والمخاوف القائمة لدى الشباب الفلسطيني والحاجة والإمكانات للإستثمار فيهم وأثر هذا الإستثمار. وتطمح إلى حثّ الشباب الفلسطيني على التفكير في إمكاناته وكيفية تحفيزها في مواجهة العقبات التي تعترض طموحاتهم.

ويبرز المشهد الشبابي النشط من خلال مختلف أنواع ومستويات التدريبات التي تُقدّمها غالبية المنظمات غير الحكومية الفلسطينية واللبنانية والدولية النشطة في مسرح الشباب الفلسطيني، والتي من شأنها أن تعزَّز الكثير من المهارات الملموسة لدى الشباب، وتوفّر مساحة للتعلّم الجماعي وعقد اللقاءات. ويبرز حالياً اهتمام متزايد للجهات المانحة في الاستثمار في الشباب الفلسطيني، يتجلى في استراتيجيَّات من مختلف المانحين الدوليين ووكالات الأمم المتحدة ترصد نحو ما لا يقل عن 15 مليون دولار لمشاريع مشاركة الشباب وتمكينهم، تراهن على الوثوق بهم في تطوير وقيادة المبادرات التي تؤثر بشكل مباشر على حياتهم ومصالحهم.

صحافية لبنانية

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard