معهد "كارنيغي" يُحاول رسم مسارات التجديد: "آفاق عربية" تلي "انكسارات" العام الماضي

25 كانون الثاني 2019 | 00:02

تواجه دول الشرق الأوسط ومجتمعاتها تحديات اجتماعية - اقتصادية وسياسية ومؤسسية جمّة غير مسبوقة، إذ إن هبوط أسعار النفط، وتعاظم المنافسة العالمية، وارتفاع أعداد السكان تهدّد كلّها النظام الريعي الذي انبثق في معظم الدول العربية في العقود الأخيرة، حيث قايض القادة السلطويون الخدمات الاجتماعية والوظائف الحكومية برضوخ المواطنين واستكانتهم. النظام القديم إذاً آخذٌ بالأفول فيما لا تبدو بجلاء معالم النظام الآتي.

في هذا الاطار ينشط "مركز كارنيغي للشرق الأوسط" في محاولة رسم معالم مستقبلية. وبعد "انكسارات عربية"، وهو عنوان تقرير العام الماضي، يجهد المركز في تقديم نظرة ايجابية، او لنقل واقعية – علمية، الى مسارات التجديد التي يمكن ان تنقذ العالم العربي من التخبطات التي يعيشها. وقد اطلق امس تقريره الجديد بعنوان "آفاق عربية: مخاطر ومسارات نحو التجديد"، الذي يستعرض التحديات المتداخلة التي تواجه العالم العربي، ولا سيما منها تلك المُرتبطة بالاقتصاد السياسي، والحوكمة، والتعليم، وأزمات اللاجئين، والصراعات. ويستند التقرير إلى فرضية مفادها أنه يتعيّن على الدول أن تُبرم مع مواطنيها عقوداً اجتماعية جديدة للتصدّي لهذه التحديات الضخمة. يتألف تقرير "آفاق عربية" من خمسة فصول سياسية التوجّه، ومعها مقالات قصيرة كتبها باحثو "كارنيغي" وخبراء بارزون.

أُطلق التقرير في جلسة نقاشية مع المؤلّفين المُشاركين جوزف باحوط، مروان المعشّر، ومهى يحيى، إضافةً إلى ريما كرامي-عكاري، وتوزع على خمسة فصول، تناول الاول "الاقتصاد السياسي" وفيه ان الشرق الأوسط يواجه تحدياً اقتصادياً أكثر جدية وعمقاً، ألا وهو انحلال النموذج الريعي لاستخلاص المصادر الطبيعية، الذي بنيت على أساسه الاقتصادات العربية. وتتطلب نماذج الاقتصاد السياسي العربي الجديدة الناجحة من القادة أن يعطوا الأولوية للشباب والنساء؛ كما أن معايير المساءلة الجديدة تستلزم أطراً تنظيمية منصفة وشفافة تعتمد على قواعد ثابتة.

في الفصل الثاني عن "الحوكمة" ان ثمة ثلاث قضايا في غاية الأهمية: الوصول إلى مراكز صنع القرار، وتقديم الخدمات على نحو فعّال، ومكافحة الفساد، وليس هناك حلول سحرية سريعة لأيّ من هذه التحديات. غير أنه في وسع الحكومات، والمجتمع المدني، والمجتمع الدولي أن تعمل سويا لتحقيق تقدّم تدريجي.

ويولي التقرير في الفصل الثالث اهمية كبرى لـ"التربية والتعليم" لان أنظمة التعليم العربية الحالية لا تشجّع – ولم تصمَّم لتشجّع - تنمية مواطنة تفاعلية ديموقراطية حقيقية. فهي تنتج متخرجين بمؤهلات، وليس بمنظومة المهارات الضرورية للتعامل مع التحديات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية التي تواجهها مجتمعاتهم. وأمام هذه التحديات العميقة الغور، تقصّر الحلول التكنوقراطية عن بلوغ الغاية.

ويعالج الفصل الرابع قضية "اللاجئين" بعدما أصبح نزوح البشر القسري من العلامات البارزة لمجتمع الشرق الأوسط المعاصر. ففي سوريا، أُرغم أكثر من 11 مليون نسمة على مغادرة بلادهم أو على النزوح الداخلي. كما نزح ملايين آخرون في العراق، والسودان، واليمن، وردّت الحكومات العربية بالسعي إلى إعادة اللاجئين إلى بلدانهم الأصلية، وأغلقت المعابر الحدودية التي كانت مفتوحة قبل ذلك، ما أدى إلى مفاقمة شبكات تهريب البشر وتوسيعها.

ويتناول الفصل الخامس موضوع "الصراع الإقليمي"، اذ يعاني الشرق الأوسط من ندرة آليات حل النزاعات الإقليمية. ومع أنه من المرجح أن يتحقق بعض التقدم التدريجي البطيء، فإن على الفاعلين الإقليميين والدوليين أن يستكشفوا الخطوات المناسبة لمعالجة هذه العوامل، وتخفيف المخاطر المحتملة من تصاعد الصراع.

ولا يكتفي التقرير بعرض الازمات والمشكلات، بل يدعو الى مسارات الحلول عبر تجديد العقود الاجتماعية وصوغ عقود جديدة تُحدّد أسس المساءلة، وتفعّل الإصلاح المنهجي في المجالين السياسي والاقتصادي. كما المبادرة الى استثمارات جديدة لا تقاس بثروة الموارد، بل برأس المال البشري، وخلق معايير وأعراف جديدة للمساءلة، داخل الدول وفي ما بينها، لتحقيق الازدهار. 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard