كفى لخطاب حماية المسيحية المشرقية!

17 كانون الأول 2013 | 00:21

سبعون سنة مَرّت على الاستقلال ولا مُراجعة نقدية جريئة للتجربة المسيحية في القبض على السلطة في لبنان وفي المسارات التراجعية المؤدية لفقدانها. سبعون سنة مَرّت ولا رؤية مسيحية مُستقبلية رائدة، مُتميزة، جريئة وسبّاقة مبنية على قراءة صحيحة لمُعضلات لبنان ومُجتمعات العالم العربي ذات المُكوِّنات المُتنوعة ولأزمة الحكم فيها ومُستلزمات الحداثة السياسية لمحكوميتها.

سبعون سنة مرَّت وما زالت ألوان الطائفية القاتلة التي ضربت التجربة الوطنية اللبنانية الميثاقية والدستورية العلمانية الواعدة في هذا المشرق، معشّشة في خفايا عقولنا. وما زالت هذه النزعة المِلّية العثمانية التي ورثناها من أزمنة العبودية الفكرية والتقوقع، مُستوطنة في ذاتنا التاريخية ومؤثرة في ترسيم قيَمَنا وخياراتنا.

تحالف أقليات من هنا، تحالف أكثريات من هناك، وما أكثر هذا الحراك هذه الأيام حول مُعضِلة حماية المسيحية المشرقية، حيث تكثرالتوثبات اللفظية والتموضعات السياسية وتَقِلُّ المُقاربات الصائبة المُنزَّهة. لا يُشكل هذا الحراك صحوة نقدية ورؤية مُدرِكة، بل يكشف عمق الانقسام والتشرذم المسيحي وعدم قدرة هذه النخبة المسيحية اليوم على الارتقاء إلى قراءة استراتيجية جامعة، واحدة و مُوحدة للمسيحيين، تعلو على المصالح السياسية الضيقة.
توصيف آلام أرض الواقع شيء، أما تسطير معالم أرض المُرتجى وطرق العبور إليه، فشيء آخر. ما زال المسيحيون بالرغم من التجارب والمآسي ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم أقلية بحاجة لحماية، داخلية وخارجية. والحماية الوحيدة هي في الدستور والدولة الديموقراطية المدنية وصون الحقوق والحريات الأساسية بالتساوي للجميع. المشكلة في الفكر الأقلوي أنه مسلك انتحاري قاتل للأقلية أولا وللوطن ثانيا. وهذا ما حصل للمسيحيين في لبنان وأسقط مشروع الدولة المدنية فيه، دولة المواطنة الحاضنة والحامية للجميع. فكان التشرذم الطائفي والسياسيات القاتلة من المارونية السياسية إلى السنية السياسية إلى الشيعية السياسية.
لم يتعلم المسيحيون بعد من التجارب القاتلة في لبنان، أن التجربة الأقلوية أكانت قابضة على السلطة أم لم تكن، ليست الحل بل المشكلة. فبدل أن ُنقوّي القيمة الوطنية الناشئة منذ توثبات فخر الدين الكبير الوطنية، عززنا القيمة الطائفية وكان تعاملنا مع الدولة اللبنانية منذ الاستقلال من منطلق التمسك بالسلطة لحماية الأقلية. فقبضنا على السلطة دون أن نعزز ونطوِّر أطر المُشاركة المسيحية الإسلامية لنتدرَّج معا مسلمين ومسيحيين في دولة المواطنة من التباعد إلى التعايش المشترك إلى العيش الواحد. ومن المُشاركة الطائفية إلى الشراكة الوطنية فالمواطنة الحقة. وما زلنا اليوم بالرغم من فقدان السلطة في نوع من العماء السياسي نتكلم مسيحيا ونتقوقع طائفيا بدل أن نتكلم وطنيا ونفرمل الطوائفية فنكون الجسر الوطني الذي يُساعد الجميع للعبور إلى الدولة، بدل أن نكون عنصر تنمية للمجابهة الشيعية السنية القاتلة للجميع.
أوجه التشابه كثيرة اليوم مع نهايات القرن التاسع عشر. نظام عربي مُترهل يشبه ترهل الرجل المريض العثماني قبل سقوطه. طائفية مُتفشية في كل مُكونات الجسم العربي. خوف مسيحي بعد أحداث 1860 المؤلمة وتفتيش عن حمايات أجنبية. أكثريات وأقليات مذهبية مُتناحرة. قوى عظمى وإقليمية لها مصالحها مُتربصة بثروات العالم العربي الاستراتيجية تفتش عن محميات محلية لتستعملها تحت عناوين مُختلفة فتكون لها موطئ قدم ومراكز لبسط سلطتها ولتمدد نفوذها ولصون مصالحها وديمومتها.
قلة نُخبوية لبنانية وعربية، مسيحية وإسلامية، واعية مُستنيرة بأنوار النهضة العربية ومُدركة أن لعبة الأمم ومصالحها تقضي بتأجيج التطاحن المذهبي لتمنع قيام دولة القانون الحديثة الواعدة في العالم العربي، فنادت بعلمانية مَشرقية مُنفتحة على الدين، وبالدولة المدنية الدستورية الحامية للجميع بالتساوي في الحقوق والواجبات كحل لمُعضلات العلاقة المُلتبسة والسلبية بين الدين والسياسة في العالم العربي.
تماما في الأمس كما اليوم، الكل يتصارع مع الكل بواسطة أدوات محلية والمواطن العربي يدفع الثمن الغالي والنفيس وحده. المطلوب اليوم رؤية جريئة ُتخرج المسيحيين من المُقاربة الأقلوية الطائفية وقيود نظام الملة العثمانية ومسالك الطائفية إلى مسالك المواطنة. المطلوب اليوم كلام من المسيحيين عن التحديات الوطنية والقومية العربية ومُتطلباتها أكثر من الكلام عن التحديات المسيحية ومُتطلباتها.
أكثر من أي يوم مضى، وبالرغم من الأخطار والآلام التي تحيط بهم، لا يزال المسيحيون، إن توحَّدوا حول مشروع الدولة المدنية الحاضنة للجميع، الرقم الصعب والأساسي في المُعادلة اللبنانية والمشرقية. فسلاحهم الأقوى الذي لم يعوا بعد أهميته ومدى فاعليته وعمق قدرته، هو أنهم الضمانة "الميثاقية" لتنوع هذه المُجتمعات في عالم اليوم الذي سقطت فيه كل الأحاديات السياسية.
فالتطرف الديني في العالم العربي لن يدوم والتطاحن المذهبي والطائفي والقبلي لا أفق سياسيا له لأنه لا يمكن أن يشكل في عالم اليوم المُتعولم دولة قادرة وفاعلة تؤمِّن للإنسان كرامة العيش. فالأزمة في مجتمعات العالم العربي، ليست اليوم أزمة أقليات وأكثريات، وليست أزمة تصارع ديني، وإن كان ظاهرها ديني الطابع، بل هي أزمة حكم وازمة ديموقراطية حقة وأزمة إعادة إنتاج الدولة الحديثة، الجامعة، الحاضنة، التي تحمي الجميع بالقانون وتصون التنوع ضمن الوحدة.
وحدهم المسيحيون إن توحدوا واستعملوا سلاح الميثاقية، التي هي عكس التبعية السياسية، قادرون على أن يُسقطوا المُجابهة السنية الشيعية وينقذوا العالم العربي من الانتحار. فهل يكونوا على مستوى التحدي بدل البكاء على الأطلال والتفتيش عن حمايات، فلا يُفوِّت لبنان والعالم العربي مرة ثانية في بداية القرن 21 كما في بداية القرن 20، فرصة الدخول إلى الحداثة السياسية وعالم القيم الديموقراطية التي تحترم الإنسان، حريته و كرامة عيشه؟ إلى الرب نطلب!

محام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard