موسيقى - فؤاد فاخوري مدّ الأوركسترا الفيلهارمونية بديناميته المنعشة لوحات غويا السوداء أوحت إليه موسيقى تعبيرية من ذاكرة الحرب

مي منسى womansday

16 كانون الأول 2013 | 00:00

(حسن عسل)

فؤاد فاخوري في زمن الميلاد ورأس السنة، لبى دعوة المعهد الوطني للموسيقى، آتيا من نيويورك، لقضاء أسبوع مع أفراد الأوركسترا الفيلهارمونية، يبثها من خبرته في القيادة ويلقّمها من ديناميته، حتى إذا التأمت الأوركسترا تحت رايته في كنيسة القديس يوسف، كان الحوار بينهما بارزا، يوزّع محاصيله الطيّبة على الحضور.

من اجتهادات المعهد الوطني للموسيقى في رفع مستوى هذه المؤسسة عاليا، ومساواتها بالمعاهد الموسيقية العالمية، أن يكون للأوركسترا الفيلهارمونية تنويع بين قادتها، إن على صعيد المعتمدين في المعهد أم في دعوة قادة عالميين، في عصا كل منهم شغف المايسترو وسياسة فنّية خاصة به.
ليلة الجمعة اكتشفنا في فؤاد فاخوري، المايسترو والمؤلّف. وفي الصفتين، جندي ملتزم الرسالة التي اعتنقها، معماري دقيق في بناء تأليفته، كما المقطوعات المدرجة في البرنامج، المتطلّعة إلى آفاق تأليفية، تائقة إلى العصب الموسيقي الفاعل في الفكر كما في النفس، وفي اختيارها من “هيبريد” أو “مغارة الفنغال” لمندلسون فتراجيدية الحرب مستوحاة من لوحات غويا بعنوان “فوريا” لفؤاد فاخوري إلى نوافير ماء روما لريسبيغي وختاما بـ”عصفور النار” لسترافينسكي، وفي كل عمل كان المايسترو في اهتمامه الكلي بكل تنهيدة نغم، حريصا على التوازن الذي يجعل المشهد الموسيقي صرحا قائما على ركيزة سليمة.
الشكل الكلاسيكي لمعزوفة مندلسون كان مشحونا بالنفس الرومنطيقي ولكن كما تلقيناه من الأوركسترا أكثر عمقا وأبعد رؤى من قصيدة سمفونية، سهلة الاستيعاب. التجاوب الحسوي بين المايسترو وكل عازف، وترياً أكان أم نفخياً، جعل المشهد صافيا من كل غبش، نتلقى النزوات الوصفية كاقتراحات جميلة بثها مندلسون في هذه الاقتتاحية، من وحي سفره إلى إيسلندا واكتشافه مغاور الفنغال.
فتى، رحل فؤاد فاخوري إلى الولايات المتحدة، وفي ذاكرته الحرب وويلاتها، وفي اختياره الموسيقى هدفا لوجوده، كانت ذكريات صاخبة في رأسه، مقلقة، تطارد مشاعره، إلى أن حان تجسيدها في بناء سمفوني، أقوى مفعولا من الريشة حين تكتب. الوحي جاءه من لوحات فرنشيسكو غويا الدراماتيكية، هو المصاب بمأساة الحرب اللبنانية التي لا يزال صوتها يهدر في نفسه، شعر بغويا من أزمنة الحروب الاسبانية، يمد له وحيا لموسيقاه. ثمانون لوحة سوداء حملت عنوان “كوارث الحرب” كانت له المنطلق لأن يشي بتراجيديا الحرب في جدارية مشغولة بذاكرة من الأمس لم تنطفئ شراراتها من البال، وكأني به يتحرّر من كوابيس عالقة في لاوعيه.
التحدي الكبير كما شهدناه وسمعناه في حفلة مساء الجمعة، هو في أن تتحوّل أسلحة الحروب من أيدي الإجرام إلى عازفين، أعادوا تصوير زمن البربرية بالطبول الإيقاعية والنحاسيات الهادرة والوتريات التي تسترق من جنون الإيقاع هدنة كاذبة، تشرق فيها شمس خجولة لا تطول إقامتها. فالمايسترو الواقف على الجبهة، يرى الحرب بملقط جوهرجي، يدوزن القتال، يرفّه الآلات الأكثر جنونا، بأصابع ترصع العنف بحسابات دقيقة، ساهرة على نقاء المشهد، ناعيا الموت بقرع الطبول، زافّاً أملا من آلات نفخ حنونة. وإذا غويا أوحى إلى فؤاد فاخوري سوادوية هذه الجدارية القاتمة، ففي تأليفته أدخل كهواء عابر هبوبا من مأتمية أوبرا “سيغفريد” لفاغنر، ومن السمفونية الأولى لشوستاكوفيتش ومقطعا لهاندل إصغاء حسويا لما قاله هؤلاء بموسيقاهم عن الحروب.
من أجواء الحروب نقلتنا الأوركسترا إلى روما ونوافيرها. موسيقى تأخذنا في سياحة جميلة إلى روما، فتغتسل الأوركسترا من شحتار الحرب في المنظر المائي البديع وتؤول إلى أجراس روما بديلا من هدير الطبول. الاستراحة من “فوريا” فاخوري كانت ضرورية لكي يصفى السمع من مآسي الخرب والموت، فنتلقى ما تبقى من البرنامج بجمالية مؤنسة، وتفاؤل ولو كاذب.
الختام على رؤوس أقدام راقصي الباليه الروسي الذي أوحى إلى إيغور سترافينسكي موسيقى ملتهبة، مشرقطة، كان للأوركسترا منها “سويت” من رائعته “عصفور النار”. موسيقى نورانية، مقطوفة من سحر الأساطير، وكان على المايسترو أن يوسع ذراعيه على الأوركسترا ليشعل العصفور بألوانه المدهشة، عذبة، مخمليّة، ثم كوسمية كشمس تنفجر في زوبعة موسيقية مذهلة.
ليلة الجمعة أطلقت في سماء كنيسة القديس يوسف أسرابا من العصافير، ناعية، زافّة، درامية، حالمة، سرّها ذلك الحوار الطيّب بين أوركسترا وقائدها.

may.menassa@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard