شعر - ساعة الذئب

14 كانون الأول 2013 | 00:26

عمل لجميل ملاعب.


أزهار طافية في ماء عكر في مجلى معطل
جنود ملثمون يعبرون حقل زيتون في الفجر
إمرأة تخلع بنطالها الجينز أمام مرآة فيُرى على فخذها وشمُ أفعى تلتف على ساق نبتة.
دائماً ثمة شيءٌ يوحي بشيءٍ ما
وربَّما لا.
على أوتوستراد دهوك – أربيل
أرى بقرة تمشي في الإتجاه المعاكس للسير
و أتذكر حلب
حين تؤلمني عنقي من رأسي المائل نحو سرب من الإوز.

في الطريق إلى البيت
ألمح عمالاً وفضوليين يتحلقون حول رافعة
عملاقة تنصب منارة معدنية لمسجد بُني على عجل في الطابق العلوي لسوبر ماركت.

الـ"فايسبووك" حوض أسماك زينةٍ أتأمله
قبل أن أستسلم للكوابيس.

لم أرَ أخي يُدفن في بئر إبن آوى
(يا له من إسم لواد ثم لمقبرة)
لكن لا أخشى عليه
فأبي هناك و أيضاً جدي الذي لم نره أبداً
وأبناء عمومة من هذه العائلة التي
يموت ذكورها باكراً.

أعلم أنني أحلم
أنام بينما أفتّ ورق اللعب أو حين أستقل سيارةً
بعد خمس دقائق.

أحدهم يفتح صفحتي على الـ"فايسبوك"
أحدهم يستبدل الأسماك في الأكواريوم بأفاع سوداء
أقولها ثانية: أثناء النوم لا نغدو سوى فلاسفةٍ سيئيين.

لا ألم مطلقاً
لا ألم
أؤكد مرةً أخرى
فقط أسمع خشخشة رصاصةٍ
لامعة نحاسية صلبة
تهبط عميقاً وبطيئاً
في جمجمةِ أخي الذي قُتِلَ في الحرب
منذ شهرين.

حين ينعس الأطباء المناوبون، يستيقظ نور من غيبوبته، يتحسس الجزء المؤلم من رأسه، يُمِرّ أنامله بلطف فوق قطب الجراحة ويقترب من المرآة: لا دم، كل شيء على ما يرام.
يخلع بذلة المرضى، ينتقي بنطال جينز أزرق وقميصاً صيفياً بنصف كمّ من شنطته الكاكية الملقاة تحت السرير، يسرح شعره إلى الوراء ويخرج.
وهو يجتاز الممر الطويل كمتاهة، يفتح موبايله،
يلقي نظرة على مكالمات لم يردّ عليها.
يكلّم سامو في طرطوس، يضحك، يلقي نكتاً فاحشة لها رائحة الليل. يضحك وتضحك السمراء سامو لضحكته، تصمت من أشواقها، تنصت إليه: "لن أذهب بدونكِ"، "ثم تعالي، أي خراء آكله في تركيا أو كردستان وحدي".
يتمشى، يراقب الضوء الذي يتوهج في الجهة الغربية من حرستا. لا بد أنها حفلة عرس كما كان الضابط يوهم جنوده. لكن الحرب هي الحرب ولا كتمان في الحروب. يعود قبيل الفجر في ساعة الذئب، ساعة إنغمار بيرغمان، الساعة التي يولد فيها جميع البشر ويموتون، ولا ضرورة ليغافل الحراس، فهم مشغولون بقصص مرعبة دائماً. يتمدد على سريره في غرفة العناية المشددة، يضع قناع الأوكسيجين على أنفه وينام، فأمه آتية بصحبة شقيقه الأكبر من حلب وستزوره عند ظهيرة اليوم التالي، و لا بد أن يبدو كل شيء على ما يرام.

المرآة في يد أغاتا كريستي
لا معنى
لأن تستيقظ أبكر من المنبه،
ثم تلاحظ أن حلب تختفي في ضبابٍ كثيف
هبط ليلة الأحد
أو
لأن يُشْغلك َحديث الأمس عن فقدان البراءة
كلَّ الوقت الذي يستغرقه الباص من الأشرفية
حتى ساحة سعد الله.

لا معنى
لما قد تفعله
كأن تتجول في شارع القوتلي
تقتني أقراص الموسيقى، أفلام الـDVD،
قداحة، تبغ كابتن بلاك،
ثم تقف على الناصية حيث كانت سينما فؤاد
قائمة، تنحني لتشد رباط حذاءك
وتتخيل أغاتا كريستي على شرفة فندق بارون،
تمعن النظر في الضوء الذي يسقط على مرآتها
التي تبدو لوهلةٍ
رمادية، قاحلة، موحشة،
برعبٍ، تُنزل المرآة جانباً،
تُمَسِّد ما تحت عينها اليمنى
وتعاود كتابة رواية لا معنى لها.

تزور العائلة، تُتَلفن مستفسراً
عن المطر، الزيتون، الأحوال،
تتسوق مع زوجتك، تلاعب أطفالك،
تتذمر، تلوم نفسك، تعاتب غيرك،
تباغتك بين حين وحين أصواتُ
الذين تغربوا في ألمانيا، أربيل، لندن،
تحنُّ إلى زمن تحسبه جميلاً وتقول: جِيلُنا.

لن تفعل شيئاً
ذلك
ما لا طائل منه.

أن تغطّ في نوم عميق ثماني ساعات أو يصيبك الأرق
حتى تخرج في الليل لتنادي كملكٍ قديم: أيها النوم، هل نسيتني؟
أن تفكر في الفواتير، وترتب النقود بلا جدوى
أن تعطل أسبوعاً أو تعمل 16 ساعة متواصلة في اليوم
أن تمارس الجنس للمرة الألف وتختمه بـ: آآخ آآخ
أن تقيم الولائم لأصدقائك، تبادلهم النكات،
تترك موبايلاً غائماً بمكالمات لم يُرد عليها،
أن تصالح، وتفلسف غضبك، أو
تشتم، وتثأر لإهانات قديمة
أن تتبع أحداً ثم تلعنه، أو تقود أحداً ثم تكرهه،
أن تتوهم برابرة على الباب،
أن تنتظر منقذاً.
ْلا معنى لشيء
أبداً
اجلسْ في المكان الذي يخصك أيها السيد
ليكن ظهرك للضباب
الذي هبط كثيفاً في الليل
وتأمل الجدار
الجدار الذي لا شيء بعده.
* شاعر كردي سوري

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard