أفلام أخرى...

5 كانون الأول 2013 | 01:16

  • هـ. ح.

"انهيار بروكن سركل" لفيليكس فان غرونينغن.

"اخفوا وجوهكم الضاحكة فيلم أميركي لدانيال باتريك كاربون عُرض في مهرجان برلين السينمائي (قسم "جيل")، ويروي تجربة شقيقين مراهقين مع الموت وايضاً العنف الذي يولد نتيجة له. يموت أحد الشبان في المدينة التي يعيش فيها الأخوان، فتترك الحادثة في نفسهما شعوراً بالارتباك والحيرة وعدم الفهم. منذ اللقطات الاولى (لقطة الأفعى)، يحذرنا المخرج من أن الموت سيكون حاضراً خير حضور في الفيلم. وسط بيئة ذكورية تغيب عنها النساء، يقتفي النص اثر المراهقين اللذين يستوعبان بصعوبة ما حلّ بهما بعد تلك الفاجعة التي صدمت المدينة برمتها. ينقل الفيلم الحوادث من وجهة نظرهما، في سعي دائم للغوص في اعماقهما وبحثهما عن الروحانيات. آثار الموت السلبية، ستنعكس في الفنون القتالية التي سيقومان بها، حيث الأهم ليس التغلب على الخصم، بل الذهاب ابعد من ذلك بكثير.
مقاربة الاخراج "مينيمالية". هناك لحظات صمت تمنح الفيلم طابعاً خاصاً. عرف كاربون كيف يصور الطبيعة بحسّ جمالي فريد، واضعاً بطلينا في كادرات واسعة. شيئاً فشيئاً، سيجد المراهقان في الطبيعة القاسية والمتوحشة ملاذاً آمناً، لأنها ستجعلهما يتصالحان مع تداعيات التجربة القاسية. خلافاً لما كان يمكن توقعه، فالأكبر سناً من بين المراهقين هو الذي سيحمل أعراض العذاب الذي سيسعى الى اطاحته في بعض فصول الفيلم المقلقة. مع تطور الأحداث، ستُنسج علاقة قوية بينهما لن تهزها التفاصيل العابرة.
هذا فيلم آخر عن مرحلة عمرية حساسة، سبق ان منحت السينما العديد من التحف الخالدة. عن رغبته في تصوير المراهقة، يقول كاربون: "أردتُ أن أصوّر أولاداً على نحو أكثر نزاهة وواقعية من ذلك الذي اعتدتُ مشاهدته. أردتُ فيلماً عن أن تكون شاباً بالطريقة التي اتذكره فيها الآن. هناك عناصر روائية مستقاة من طفولتي، ولا سيما علاقتي بأخي وبالطبيعة وبما عشته من لحظات صعبة كان عليّ أن أناضل لأفهم معناها. هناك الكثير من الوقائع، ما زلتُ لا أفهمها الى الآن؛ فالمراهقة أشبه بلعبة "بازل" لا يمكن تجميعها".

■ ■ ■

"انهيار بروكن سركل" فيلم للبلجيكي فيليكس فان غرونينغن. ميلودراما رومنطيقية محورها عاشقان تنقلب حياتهما رأساً على عقب عندما يكتشفان ان ابنتهما الصغيرة مصابة بداء السرطان. ديدييه ودونيز يعيشان معاً علاقة غرامية، همّهما في الحياة هو الموسيقى. هو يلعب البانجو في فرقة، ويعشق أميركا، وهي تدير محلاً للوشم وتغنّي في فرقة ديدييه. هذه العلاقة تتكلل بمولودة بنت، اسمها مايبيل. "انهيار بروكن سركل" شريط مقتبس من مسرحية بالعنوان نفسه ليوهان هلدنبرغ وميكي دوبلز. هذا رابع فيلم روائي طويل ينجزه فان غرونينغن، علماً ان أول فيلمين له لم يغادرا الحدود البلجيكية. لكنه فاجأ الجميع عام 2009، بـ"حقارة الأشياء" الذي استقطب عدداً مهماً من المشاهدين في الصالات الفرنسية، وهو عن غونتر ستروب، مراهق ينحدر من عائلة مهمشين مدمني كحول. مع جديده، يدخل فان غرونينغن في منعطف جديد، حيث لا يكتفي بسرد خطي تقليدي، انما يقدم على خلط الأوراق السينمائية، ما يجعل الحكاية اكثر تماسكاً واثارة. في القسم الأول من هذا الشريط الأخاذ، نتابع نضال ديدييه ودونيز لانقاذ حياة مايبيل في موازاة لقائهما المشبع بلحظات سعادة، في حين اننا نكتشف ايضاً السنوات الاولى لابنتهما قبل اصابتها بالمرض. ينجح المخرج في اقتناص المُشاهد وجعل الانفعال يتغلغل في داخله، لقطة بعد لقطة. للممثلين فضلٌ كبير في جعل حبل التواصل يشتد بين الفيلم والمشاهد. ما يلفت ايضاً هنا، هو الخيارات الموسيقية، المرتكزة على اغاني الفرقة البلجيكية، "ذا بروكن سركل بلوغراس"، المتخصصة بألحان الكاونتري بلوز، التي يقودها يوهان هلدنبرغ، وهو بطل الفيلم ايضاً. طابع النص درامي، الا ان فان غرونينغن يعالجه بخفة، مانعاً نفسه من الوقوع في كليشيه البكائيات او "العواطف الجياشة". من خلال جعل الأمل ينتصر على الاستسلام، يقدّم هذا المخرج عملاً فنياً يرتقي الى مستوى الانشودة، انشودة الحياة. بعد تخرجه عام 2000، قدم فان غرونينغن مسرحيات وانجز افلاماً قصيرة قبل أن ينتقل الى الأفلام الروائية الطويلة عام 2004 مع "ستيف + سكاي"، الذي نال جائزة جوزف بلاتو لأفضل فيلم بلجيكي. بعدها بثلاثة أعوام، صوّر "أيام بلا حب"، قبل أن يباشر في العام التالي عملية التقاط مشاهد "حقارة الأشياء" الذي شارك في تظاهرة "اسبوعا المخرجين" في كانّ. وصول اعضاء فريق هذا الفيلم الى العرض الأول عراة وهم يركبون دراجات نارية، أحدث فضيحة في المهرجان. "انهيار بروكن سركل" نال جائزة الجمهور في مهرجان برلين السينمائي هذه السنة.

■ ■ ■

يستند "إفراغ السماء" لروجر ودوغلاس كاس، الذي عرض في مهرجان هامبتونز السينمائي للمرة الاولى، الى مقالة لجوناثان فرانزن تناول فيه الكاتب ظاهرة الصيد غير الشرعي للطيور المهاجرة في جنوب اوروبا. لكن الفيلم يذهب الى أبعد من المقال، اذا يعرّفنا الى بعض الناشطين الذي يناضلون لوقف هذه الجريمة في حق الطبيعة. هذا الصيد يعود على الصيادين بالكثير من المال في السوق السوداء، وخصوصاً ان بعض الطيور نادرة ولحمها لذيذ، وفي طريقها الى الانقراض. روجر ودوغلاس كاس تنقلا بفريق تصوير صغير من فرنسا الى ايطاليا فقبرص، اي في بلدان متوسطية، على مدار عام كامل، ليرافقا حفنة من حماة الطيور. يشبّه المخرجان مغامرتهما هذه بالتغطية الاعلامية لحرب، اذا كان عليهما دائماً تفادي المواجهة مع الصيادين المتعنتين، الباحثين عن فريسة. ذهبت الكاميرا الى أماكن صعبة وخطرة، لم يكن الدخول اليها سهلاً. عمل الثنائي في ظروف مضنية للاتيان ببعض الصور غير المسبوقة في مجالها، مع حرص دائم لأن يكون للشاعرية مكان تحت الشمس. خصوصاً مع مداخلة فرانزن، الذي ألهم نصه الفيلم. في النهاية، هذا شريط يملك هدفاً تربوياً أكثر منه فنياً.

■ ■ ■

اشتهر الياباني شينجي أراماكي بعمله على تصاميم هندسية رائعة. بدأ عمله كمخرج في منتصف الثمانينات وله في سجله الى الآن نحو 10 أفلام. جديده "هارلوك: قرصان الفضاء" يصور القبطان هارلوك الذي كان سابقاً ضابطاً في الجيش، على متن مركبته الـ"أركاديا"، يحضّ القوات الحليفة على التمرد قبل ان يختفي من النظام الشمسي. وبعد تحوله اسطورة نتيجة تسكعه لمدة قرن كامل من الزمن، يبقى هدفه غامضاً، وعندما تطل مركبته مجدداً، يطل معه الكثير من الأسئلة الغامضة. لماذا تحول هارلوك قرصاناً؟ لماذا تمرد الرجل ذو الندبة ضد الحكومة؟ وماذا يفعل الآن؟ هذا ما سنكتشفه في فيلم التحريك الذي اخرجه الياباني شينجي أراماكي، وعُرض في الدورة 70 من مهرجان البندقية السينمائي، خارج المسابقة.
تجري الحوادث في العام 2977. العالم بالشكل الذي نعرفه لم يعد له أي وجود. شركة غايا تتحكم بالمجرة، بعد "حرب العودة" الطاحنة التي يقودها أولئك الذين يتوقون للعودة الى الأرض. في هذه الأجواء، يظهر ان هارلوك هو الأمل الوحيد للشعوب المقموعة لتكتشف الحقيقة التي تخفيها شركة غايا، على أمل العودة الى الارض التي ظلت بعيدة المتناول لقرون وقرون.
شخصية هارلوك التي خلقها الياباني لجي ماتسوموتو ظهرت للمرة الاولى في الستينات، قبل ان تشق طريقها في اتجاه الغرب، حيث نالت الاستحسان، ومذذاك شاركت في العديد من المسلسلات التلفزيونية والأفلام. بيد ان اطلالتها في هذا الفيلم هي الاولى لها منذ 30 سنة. ويبدو ان القائمين تداركوا خطأهم، فكرسوا مبالغ كبيرة في انجاز هذا الشريط الذي يستمتع به الكبار والصغار، اذ انه مزيج متناسق بين المشهدية الضخمة والتشكيل البصري.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard