العلاقات الجنسية ووسائل التواصل الاجتماعي: سقطت الحواجز

28 تشرين الثاني 2013 | 00:00

يتخبط مجتمعنا العربي المحافظ بين مؤسسات تحاول التحكم بمفهوم الصحة الجنسية وممارسته، وسلوكات حياتية معولمة، اكتسبها شبابنا من سقوط الحواجز، خصوصاً على صعيد التواصل والاتصال، الأمر الذي يضعنا أمام شرخ أساسي على صعيد الجنس، بين ممارسة ما ورثناه من تقاليدنا، وما اكتسبناه من عولمتنا ووسائل اتصالها الاجتماعية المنتشرة بسهولة في كل مكان.

يشكل الشباب اليوم ما يقارب ملياري شخص من سكان الأرض، يعيش القسم الأكبر منهم في بلدان العالم الثالث، يرزحون تحت وطأة ظروف معيشية ومهنية وثقافية ومادية صعبة، اضافة الى ارتفاع نسبة البطالة والعوز. هذه الظروف لم تمنع انخراطهم في العولمة، والانفتاح الإعلامي والإعلاني، وما يتضمنا من معلومات وأخبار وأقاصيص عن صحتهم الجنسية والإنجابية، وما لذلك من تأثير في مفاهيمهم الجنسية وسلوكاتهم.
داخل هذا الشرخ بين الموروث والمكتسب، كيف يعيش الشباب مفهوم الجنس اليوم؟ وكم تنقصهم المعلومات الصحيحة والمهارات، لتحل مكان ما يحصلون عليه مجاناً من مواقع غير مهنية على الإنترنت؟
أجاب عن هذه الأسئلة الاختصاصي في الأمراض النسائية والتوليد، والصحة الجنسية الدكتور فيصل القاق الذي شارك أخيراً في الأرجنتين والبرازيل في مؤتمرين دوليين عن "الصحة الجنسية".
وقال: "لا يزال مفهوم الجنس والصحة الجنسية عند الشباب غير مكتمل، نظراً الى غياب المرجعية والمنهاج والموارد التي يفترض أن تساهم الى حد كبير في تطور مفهوم الجنس و"الجنسانية"، بما يعني من مفهوم محوري إنساني، وإن غياب تواصل الأهل والأبناء لا يساعد أبداً في تحقيق مفهوم متكامل عن الجنس، لذا يتخبط شباب اليوم بين تصورات وممارسات لا يتحكم بها علم ولا بحث ولا توازن داخلي، ما يؤدي الى التعرض الى أخطار جسدية ونفسية قد تكون قاتلة أحياناً.
والسبب الرئيس لذلك، مرده الى فهم خاطئ أو ناقص للجنس على أنه فقط ممارسة جنسية، بينما يجب أن نرتقي به، ووفق منظمة الصحة العالمية، الى حال إنسانية من الاحترام والمسؤولية ومنع العنف والإكراه، والتمتع جسدياً ونفسياً بمشاعر جنسية متبادلة، تمنح الشباب الشعور بالاكتفاء والاتزان العاطفي.
أحد المداخل الى مفهوم الصحة الجنسية هو: تحديد الهوية الجنسية والتمكن من التعبير عنها بعفوية وطبيعية. فبين من يعتبر بعض الهويّات الجنسية حالات مرضية أو نفسية مكانها الطبيعي في العيادات والمصحات، وبين من يرى فيها مكوناً طبيعياً يولد عند اصحابه، لا يرى العلم أي مرض أو أخطاء جينية أو وراثية في حالة مثليّي الجنس، بل يعتبرها حالة طبيعية، على الشباب ومحيطهم تقبلها، كخصوصية وليس شذوذاً. وهناك بعض الحالات الطبية القليلة، منها اضطراب الهوية الجنسية، حيث يولد الشخص بجسم مؤنث ولكن بهوية جنسية مذكّرة، ما يسبب قلقاً واضطراباً وحال من عدم استقرار شديدة، تستدعي تدخل الفريق الطبي المتكامل لتقديم العلاج وتثبيت الهوية الجنسية، التي ولد فيها الشخص المعني، وفي سن مبكرة طبعاً. وهناك بحوث من كندا وأوروبا والولايات المتحدة تشير الى نجاح علاج هذا الأمر، إذ يعيش من تم علاجهم حياة سليمة ومستقرة.
وفي ما يتعلق بموضوع الممارسات الجنسية، يشار الى أن سهولة وصول الشباب الى المعلومات غير الآمنة، تعرّضهم للتضليل وتحقير الجنس والعلاقات الجنسية، خصوصاً وان أكثر من نصف الذكور يتمتعون بسهولة الحصول على معلومات من مواقع الكترونية اباحية، فيدمنونها ويتبنون محتواها لممارسته في شكل خاطئ في حياتهم الواقعية. ويكتسب ذلك أهمية إذا ما علمنا أن نحو 60 في المئة من الذكور بين عمر الـ15 و24 سنة يدّعون بأنهم سبق وأقاموا علاقات جنسية مع الجنس الآخر، معظمها غير آمنة، ومن دون اطلاعهم على أية وسيلة أو مصدر علمي للتعرف على الالتهابات الجنسية وأخطارها. وتشير الدراسات والملاحظات السريرية الى ارتفاع معدلات الالتهابات الجنسية، فأكثر من 6 في المئة من الشباب تم ابلاغهم بوجود هذا الالتهاب الذي لم يكونوا على علم به، كما ذكرت إحدى الدراسات. وتشير الملاحظات السريرية الى ازدياد حالات الإصابة بفيروس "الورم الحليمي" عند الفتيات والـ"هيربيس"، بسبب ممارسات جنسية غير محمية، اضافة الى جهل بأعراض هاتين الحالتين، التي تظهر في شكل ثآليل وحويصلات جنسية وألم حاد في الجهاز التناسلي الخارجي.
ويشار الى أن غياب الوقاية والتدخل المبكر في حالة الإصابة بفيروس "الورم الحليمي"، قد يؤديان الى الاصابة بسرطان عنق الرحم، والـ"هيربيس"، اضافة الى التهابات حادة.
واختتم الدكتور القاق، مشدداً على انه لا يجوز التغاضي عن واقع معاش من ممارسة العلاقة الجنسية، التي تختلف باختلاف مفاهيم الشباب وآرائهم، ولا يجوز أن نبقى قاصرين عن ايجاد سياسات وبرامج ونشاطات ترشيد الصحة الجنسية الشبابية، ونمدهم بما يحتاجونه من معلومات ومهارات. تبقى تجربة ادخال الصحة الإنجابية و"الجندر" في البرامج المدرسية جديرة بالاهتمام، ولكن تتطلب مواكبة على مستوى الخدمات الطبية والمشورة والعمل مع الأهل والشباب. وهذا ما يقوم به "مشروع الصحة الجنسية والإنجابية للشباب"، في كلية العلوم الصحية في الجامعة الأميركية في بيروت، لفهم ما يريده الأهل للتواصل مع أبنائهم وما يريدونه للوصول الى المعلومات العلمية التي تحميهم وتؤمّن سلامتهم الجنسية.
ويبني هذا المشروع عمله على معلومات بحثية قيّمة، تتعلق بدراسة مفاهيم الشباب الجنسية وممارساتهم وتحديد حاجاتهم في هذا المجال.

roula.mouawad@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard