كتاب - "العفاريت" لابرهيم الحجري: مآل الأيقونة الصوفية المغربية

27 تشرين الثاني 2013 | 00:00

يتحرى الكاتب المغربي ابرهيم الحجري في روايته "العفاريت"، ملامح الطريقة الصوفية في المغرب، وينعى تبعثر نقائها بالإفراط في تقصي الشهوة على حساب الإدراك الأسمى، ويتخذ من المتصوف مسعود وعشقه، حجر الزاوية لإرساء رؤيته الدرامية، وربطها بظاهرة السعار الجنسي المنتشرة بكثرة حول مقامات الأولياء الصالحين.

يبدأ روايته بمناشدة روح الصوفي الراقد تحت القبة الخضراء، واصفا جموع الفقراء المتدافعة للطواف حول المقام، طلبا لحرارة جسد أنثوي وفتات نقود يسكتون بها جوع أبنائهم وزوجاتهم. يطل وجه قيم قبيح يدعى البركاوي مترصدا اقبال زائر جديد، ماسحا البهو بنظرات جائعة، بحثا عن جسد أنثوي؛ كعادته مساء كل سبت، ليفرغ فيه كبت اسبوع، وليحكي لسيد الصالحين وقطبهم، ما تفعله به زوجته الفاجرة التي تتسلل خلسة في الظلمة الى فراش عشيقها، معترفة انه الوحيد في القبيلة الذي يستطيع اشباع عفريت رغبتها.
مناجاة الحجري للصوفي تتوالى مع ارتفاع هتاف الجمع وتشابك اللذة والألم في وصلٍ حميم، يجعل الروح تفيض ليصل شبقها إلى المستحيل؛ حين يخور جسد الفتاة الراقصة ذات الجسد الأسطوري أمام الأعين الشرهة، فيخر جثة هامدة، فتعلو الوجوه غلالة فرح. بينما في ردهة أخرى، يختلي الحجام بضحيته، يستدرجها صوب مكان معتم، يطوّقها بيدين صارمتين وفحولة متأهبة، فيخيّل لكل انثى تجيء الى قبر الولي الصالح، طالبة قبسا من مجده وبركاته، أنها لن تعود من حيث اتت، الا وامتطى صهوتها كل العفاريت الآدميين، وحولوها عاهرة ابدية. بدل ان تشفى من دائها النفسي، تدمن العهر، والبحث الدائم عن دواء للألم الحاد الذي ينغص اسفلها من جراء ما تعاقب عليه من العفاريت! من هنا كان لا بد من البحث عن كيفية تحول القبة الخضراء من مكان مقدس الى مكان مدنس، مع أن فيض العارف بقي يلازم بقاعها!
تتوازى في الرواية شخصيتان أساسيتان، الولي الصالح مسعود والعسكري الهائج بو شعيب. الأول يمثل التوازن الممكن بين الإدراك واللذة، والثاني يجسد الانحراف عن السوية المعتدلة والاستغراق في المتعة البهيمية. كان بو شعيب راعيا للأغنام في حقول سيده القائد، لا يعرف من الدنيا سوى قطيعه، ودابته الصهباء التي ينكحها يوميا، حين استدعت فرنسا سكان مستعمراتها للقتال مع جنودها إبان الحرب العالمية الثانية. لم يجد الراعي صعوبة في تمثل دروس القتال والمواجهة واستيعابها، فقد كانت شراسته وبؤسه عناصر تذكي فيه حدة الصبر والتحدي والمجابهة. استقبل جبهة الموت في فرنسا بحماسة وشجاعة، تسلق الرتب والدرجات، وصار له وزن في الجيش الفرنسي. تحول من مجرد خادم الى قائد فيلق. وبعد انتهاء الحرب ساهم في اعادة اعمار المدن الفرنسية، وحظي بالنساء الجميلات، الخمر المعتق، التسكع، وبثقة مبالغ فيها، جعلته يعتقد انه مالك فرنسا وسيدها. واذ وجد نفسه عاطلا عن العمل اضحى كلبا مسعورا، وتمادى في اقتناص نزواته، فكثرت الشكاوى ضده واستدرج الى مكمن رُحِّل على اثره الى بلاده. هناك وجد الفرق كبيرا، بين شخصية الراعي التي عرفه بها مواطنوه، والمحارب الشجاع الذي كانه، فتخبط مبذرا ثروته في سلسلة من المغامرات المجنونة، منها غرامياته المنحرفة مع بنت شامة، التي انتهت بموتها عقب الافراط في الكحول والشهوة. فهرب بوشعيب الى ضريح الولي مسعود ليمارس رياضته المفضلة بذريعة صرع الجن ومداواة الممسوسات.
أما قصة الولي مسعود، فتنبئ عن المسار الذي تسلكه النفس المختارة وفق ما قدِّر لها من طاقات ومدارج للتفتح العرفاني. فبعد ادراكه انه نال ما يريد من علم ونور وبركات، تلقى طلب المعلم بالرحيل، كي يبني لنفسه متاهة تفضي به الى الاسرار القدسية، فتأكد أنه فاق معلمه القطب منزلة، بعدما كاد المعلم أن يظفر بسره ويجعله تابعا ابديا. ثم واظب الشاب الصوفي على خلوته حتى حجّت اليه الكائنات المرئية واللامرئية، واصبح يعرف طريقته ويثق فيها، وصار الفلك يدور على القطب. ثم زوّجته القبيلة بأربعة ابكار من المصونات، وكان بكرا لم تفتض عذريته امرأة. ازدان فراشه بأربعة اطفال اقسم الا يضيف اليهم أحدا، وسهر على إقرائهم بنفسه وعلّمهم فن الطيران في الملكوت. وكانت زوجته ربيعة هي المفضلة، فقد تعلمت طريقته بسرعة، واستوعبت رحلة التصوف واكتملت فيها. وبدأ مقامها يسرق اشعاعا من مقامه المجاور، وأصبحت العتبة التي تدل مسعود على الخيط بين الروح والجسد، بين الفناء في اللذة والفناء في الحب، أي المنطلق والمفترق والملاذ. وحين غدت السراب المؤرق والدورة التي يكتمل بها رحيله، أيقن أن هدفها كان وصاله والظفر بسره، فتأمل وثوقها بنفسها واعتدادها بما لديها، وقال لها: الآن تعرفين الطريق. لا يلتقي في الجحر ثعبانان. وابتلعه الغياب!
الآن يطوف المريدون الجدد الممهورون بالضالات والتخريف، مجردين من اغطية اليقين، كأنما يرعون الوهم، قادمين من التيه، ماضين الى الجحيم. يرنو مسعود اليهم محملين الأوهام والامراض، ويرى كيف تُستحضر الشياطين التي تسكن الناس كي تحاسب وتعاقب، وتطرد من اجساد الفتيات المخبولات والشبان الذين ذهب سحر الحب بألبابهم. بعد ان تطرد، يحل محلها عفاريت آخرون كالعسكري واصدقائه النهمين. ومع أنه الوحيد الذي يعلم الحقيقة، ويخشى ان يفر من يديه "مفتاح الغيب" وبارقة "الوصول"؛ يغض الطرف عن ممارساتهم، مخافة ان ينهض يوما فيصيبهم بالبرص، ويقلب صورهم ذئابا يعض بعضهم بعضا.
فقد ضريح مسعود هويته الصوفية الحقيقية، بعدما تلوث طهره بفيض الشهوات غير المستكملة، مثلما فقد العسكري هويته بعد سنوات كثيرة أمضاها تحت رحمة المدافع وقصف الطائرات، وعاد وحيدا بعدما دفن رفاقه جماعيا تحت تراب بلد غريب، فتداخل اغتراب الإنسان مع غيرة التشارك، وعم قحط الإيمان.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard