شاشة - "أرضي مش للبيع" للفرسان الأربعة: ويلنا في وطن تُباع أراضيه للغرباء!

26 تشرين الثاني 2013 | 00:00

ينبغي للأغنية، لئلا تُقدَّم فارغة تماشياً مع السوق المُربح، ان ترسو على معنى. بات اشتراط تضمّنها بُعداً يهمّ القلّة، فالهبوط سمة العصر. ازداد بيع الأراضي اللبنانية وغاب تطبيق القانون، فصرخ الفرسان الأربعة: "أرضي مش للبيع".

قضايانا كثيرة، والاستعداد لطرحها فنياً قليل. تمادينا في كل شيء، في الإنسان والأرض والمستقبل، وباتت للرفض أشكال "استنكارية"، بعدما أمست المواجهة احتمالاً ضعيفاً لغرقنا في السوء. عمل - قضية هو "أرضي مش للبيع"، من كلمات جهاد الأبيض الحداد، ألحان غدي الرحباني وتوزيعه واشرافه وانتاجه، واخراج سمير سرياني. يثقله القلق من ضياع الأجيال المقبلة في وطنٍ يبيع أراضيه بالتوازي مع "بيع" أرواح أبنائه.
يُحسِن سرياني صقل الصرخة وتجسيدها في كادرات تتصاعد نحو انتهاء مكوّناتها. ضمن رمزية السجن، يمتلئ المكان ضيقاً وبؤساً، ليجعل الصرخة مبررة تبحث عن مَخرج ينقذ "ضحاياها" من اختناقهم. تتداخل ثلاثية "مش للبيع- مش للبيع- مش للبيع" مع القسوة المسيطرة على وجوه من باعوا أراضيهم، فنرى النساء مجرّدات من وجودهن، "يُقاصَصن" بالخدمة المنزلية، والرجال يتآكلون بالندم، الى ان تلفظهم أماكنهم الى حيث الظلمة تمهّد لانتظار الموت.
تتمسّك المأساة برمزيتها من خلال مواجهة الذات مع المرآة، وتصبح المواجهة واقعاً حتمياً بعد فعل "الجريمة" المتمثّل (هنا) ببيع الأرض. يطغى "التغبّش" على المشهد، وتعود المرآة لتمارس وظيفتها الأصلية في عكس صورة المُذنب فتُظهره مشظّى، عبثاً يتقنّع لاسترجاع السعادة. الغناء بالنظر الى الحقيقة المنبعثة من المرآة هو اعتراف بعد فوات الأوان، وقد يغدو دافعاً لاختلاق أعذار قبيحة عن سبب بيع الأرض (الحاجة، الظرف، الخوف...)، تخفيفاً عن النفس أثقالها، وسط طغيان كامل للظلمة والحَشر الأشبه بالقبر.
نلمح في العمل تضخيماً، وكأنه ريشة كاريكاتورية تبحث عن المبالغة ليصدّقها الآخر. ندرك ان الذين يبيعون أراضيهم قد لا ينمّون عن حال من اليأس المطلق أو الإنكار التام لألوان الحياة وأفراحها. سوَّد المخرج جوانب العمل، وخطف البسمة من عناصره، فالذي باع أرضه مصيره التجهّم، والأرض التي تُباع لغريب ستُصاب باليباس. لا اخضرار في العمل، ولا نبتة أو شجرة أو حرية. أصاب الجفاف المساحات إذ تحوّلت "أملاكاً خاصة" تم شراؤها بالمال.
"المجرمون" هم أيضاً أصحاب نفوذ بالكاد أتى الكليب على ذكرهم. من طغى عليهم اليأس هم حصراً المواطنون، وكأن من يبتلع الأراضي ويعقد الصفقات الكبرى متفلّت من عقاب الضمير والإحساس بالذنب. يستفرد فعل البيع بمن تسهل مواجهتهم مع ذاتهم أولاً، ثم المجتمع (تحديق الوجوه بالكاميرا بعيون شاخصة)، أما السماسرة "الكبار"، مالكو القرار والمساحات الشاسعة، فلا نجد لهم اختزالاً في العمل، عدا الرجل الذي نلمحه لثوانٍ مرتدياً الأسود، يراقب مواطنين باعوا أراضيهم وهم اليوم يشقون ويُذلّون فيها.
المشهدية المُضخَّمة التي لا تكاد تعثر على تحققها في الواقع الفرِح بالمال المُكتَسب إثر البيع، (باستثناء القليل)، خدمت الغاية من العمل، فأتت ترجمة لمقولة "اذا ما بتكبر ما بتصغر"، مُعزَّزة بحال صادمة، وأحياناً مبهمة من العبوس والتلبّد، الى ان يتكثّف العذاب بالخروج الى الضوء لا من أجل الحرية، بل لدفع الثمن في أرض الآخرين.
مكمّلٌ للقضية المطروحة هو العمل كلمات ولحناً وتوزيعاً، والإخراج أضاف أبعاداً تتفوّق على دلالاته المباشرة. "لو بعتا بتبطّل حرّ/ أفضل عالجمرة تركع/ لعندو أرض بلبنان/ حقها من دمو بيدفع". غرّبونا عن لبنان، فأمست الأغنية، إن حصّلت قضاياه، مدعاة استهجان.

fatima.abdallah@annahar.com.lb Twitter: @abdallah_fatima

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard