ممر إلزامي إلى صحة أفضل

10 أيلول 2018 | 00:00

قد يتبادر الى أذهان البعض أن قانون الحد من مخاطر التدخين، الذي شكّل علامة فارقة في مسيرة الحفاظ على الصحة العامة في البلد، كان مجرد إنجاز منفرد، لا قبله ولا بعده. الواقع غير ذلك تماماً. هذا القانون المميز، والذي لا يُطبّق اليوم سوى بنسبة معينة، يأتي في سياق نهج متكامل، ويستند الى خطة ممنهجة ومبرمجة تبنيتها منذ بدأت مهماتي في رئاسة لجنة الصحة النيابية عام 2000.

الخطوة الأولى التي قمت بها في رئاسة لجنة الصحة والعمل والشؤون الاجتماعية، ركّزت على وضع رؤية واضحة للمسار الصحي الذي ينبغي أن يُتبع لانجاز نقلة نوعية في قطاع الصحة العامة. واستندت الرؤية الصحية التي اعتمدناها بالتعاون والتنسيق مع منظمة الصحة العالمية، الى مبدأ أن الصحة حق لكل انسان.

وفق هذا النهج تدرّجنا في التقدم باقتراحات قوانين، وفي تعديل قوانين قائمة لتحقيق هذا الهدف، والاقتراب أكثر فأكثر من العدالة الصحية. واستناداً الى هذا الهدف، وصلنا الى اقرار قانون الحد من مخاطر التدخين.

طبعاً، لم يكن الوصول الى هذا القانون رحلة مسهلة. وقد اضطررنا الى مواجهة كارتلات شركات صناعة وتجارة التبغ، وهي تملك مجموعات ضغط، ووسائل ترغيب وترهيب لا تُخفى على أحد. وكانت الطريق الى هذا القانون مزروعة بالألغام الخطيرة، ومن العيار الثقيل. لكننا لم نتراجع مدعومين بتعاطف الرأي العام مع مشروعنا، وبضميرنا وايماننا بالعدالة الصحية. وهنا لا بد من التنويه بالدعم المُقدّر الذي تلقيناه من وسائل الاعلام الراقية، مع أنه كان معروفاً ان القانون سيحرُم وسائل الاعلام مداخيل اعلانات التبغ السخية، لأنه كان ينصّ على منع نشر اعلانات للتبغ في وسائل الاعلام كافة. ورغم حاجة الاعلام الحر الى كل قرش من المداخيل الاعلانية، لتحصين حريته، اختار اعلامنا ان يكون الى جانب الحق في هذه المواجهة، وان يدفع راضياً ومقتنعاً فاتورة كسب هذه المعركة.

بعد نضال استمر سنوات، نجحنا في إقرار القانون الرقم 174، والذي يعتبر من أهم الانجازات الصحية والاجتماعية التي استطعنا تحقيقها. ولا ضرورة الى الاستفاضة كثيراً في شرح مخاطر التدخين الصحية، التي باتت معروفة. لكنني استطيع كطبيب أن أؤكد أن تطبيق هذا القانون من شأنه أن يخفّض نسب الأمراض الناتجة عن التدخين بشكل واضح. كما تجدر الاشارة الى أن التدخين، هو الممر الإلزامي الذي يجتازه البعض للوصول الى ما هو أخطر، الى المخدرات. وبالتالي، المعادلة هنا بسيطة، المراهق الذي ينجو من فخ التدخين لا خطر ولا احتمال في أن يقع يوماً في دوامة المخدرات. ومن هنا شددنا في القانون على منع بيع الدخان الى غير البالغين.

لكن المؤسف، أن هذا الانجاز الصحي اصطدم بواقع الدولة المهترئ، والذي يسمح لمسؤول برتبة وزير في أن يتباهى بأنه قرّر الامتناع عن تطبيق قانون قائم ونافذ. والأدهى والأكثر تعبيراً اليوم، أن المواطن وليس المسؤول هو من يحرص على تنفيذ هذا القانون. وبذلك أثبت المواطن أنه بوعيه وحكمته أقوى من كل المؤثرات السلبية، وأنه قادر على فرض إيقاعه. وعلينا أن نختم لنقول إن القانون لا يُطبق بالكامل حالياً، لكنه يُطبّق بنسبة مقبولة، والوضع بعد القانون أفضل بكثير عمّا قبله.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard