جون ماكين "الموجة التي لا تهدأ"

27 آب 2018 | 00:00

السناتور الاميركي الراحل جون ماكين في صورة مؤرخة 5 ايلول 2008 . (أ ف ب)

لم يكن لجون سيدني ماكين الثالث إلا ربّ عمل واحد طوال مسيرته المهنية البارزة والمضطربة: الولايات المتحدة الأميركية. ويبدو أنه تقليد عائلي، ذلك أن ماكين هو سليل مباشر كما كان يقول لقائد في جيش جورج واشنطن خلال حرب الاستقلال الأميركية. 

وعلى غرار والده وجدّه من قبله، وهما أميرالان بأربع نجوم يحملان كذلك اسم جون ماكين، عاش في خدمة بلاده. طياراً حربياً في البحرية الأميركية ومن ثم عضواَ في الكونغرس الى حين وفاته السبت عن 81 سنة بعد تشخيص اصابته بسرطان في الدماغ صيف 2017.

وكان ليصير هو كذلك أميرالا لو لم يضرب صاروخ أرض-جو سوفياتي الصنع طائرته من طراز "إي-4 سكاي هوك" لدى تحليقه فوق هانوي في فيتنام في 26 تشرين الأول 1967.

ونجا ماكين بنفسه اذ هبط بمظلة في بحيرة صغيرة وسط المدينة لتستقبله عصابة غاضبة كانت على وشك قتله. وتعرض ذراعاه وركبته اليمنى لكسور شديدة. ونظراً الى كون والده قائد جميع القوات الأميركية في المحيط الهادئ، بقي ماكين أسير حرب أكثر من خمس سنوات.

وأطلق عام 1973 بموجب اتفاق باريس للسلام في فيتنام. لكن العواقب الجسدية للكسور التي لم تُعالج بشكل جيد عن قصد خلال أسره والتعذيب الذي تعرض له، كلفته مسيرته المهنية طياراً.

وبعد سنوات عدة من عمله منسقاً خاصاً للبحرية في مجلس الشيوخ، انتقل ماكين إلى ولاية أريزونا، التي تنتمي إليها زوجته الثانية، ليفوز بمقعد في مجلس النواب الأميركي عام 1982. وكبرت طموحاته مذذاك فصعد سريعاً إلى مجلس الشيوخ، الهيئة التي تملك أعلى سلطة في الولايات المتحدة، واستمر فيه 30 سنة .

ولطالما برز ماكين بصورة الجمهوري المتمرد، اذ تحدى حزبه في شأن قضايا تراوح بين إصلاح تمويل الحملات الانتخابية والهجرة.

ولم يؤمن كثيراً بالانضباط الحزبي، وهو موقف عززته خبراته السابقة في التمرد، طالباً عنيداً في الأكاديمية البحرية الأميركية أو سجيناً متهوراً يستفز سجانيه الفيتناميين.

وفي عام 2008، تصالح مع المؤسسة الحزبية وفاز أخيرا بترشيحها للرئاسة.

ومع اقترابه من البيت الأبيض، اتخذ قراراً عفوياً ومثيراً للجدل. فلن يغفر له الكثير من شركائه اختياره حاكمة ألاسكا، التي لم يكن يعرف عنها الكثير، سارة بايلين مرشحة لنيابة الرئاسة خلال الانتخابات.

وأتاح هذا القرار بروز "حزب الشاي (تي بارتي)" وصعود الشعبوية التي تجسدت لاحقاً في الرئيس الحالي دونالد ترامب.

وهيمن الديموقراطي باراك أوباما في حينه على المشهد في الانتخابات الرئاسية ليخسر ماكين للمرة الثانية.

وامتلك ماكين قدرة على تحريك الحشود. وفي واشنطن، اجتمع الصحافيون حوله في قاعات الكونغرس حيث بدا حاد اللسان وقليل الصبر. وفي إحدى المرات، قال لأحد الصحافيين: "هذا سؤال غبي". وفي حالات أخرى، تحولت نبرته النزقة إلى انتقاص من الذات فقال ذات مرة: "لا أعتقد أنني شخص ذكي جداً". وقد يكون كذلك سريع الانفعال، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا تعني له الكثير مثل القوات المسلحة والاستثناء الأميركي، وفي سنوات لاحقة، التهديد الذي يشكله في رأي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي وصفه بأنه "قاتل ومجرم".

وحتى النهاية، بقي ماكين على اقتناع بضرورة المشاركة في القيم الأميركية والدفاع عنها حول العالم. وكان كثيرا ما يتوجه إلى بغداد أو كابول أو تايبه أو كييف خلال انتفاضتها، ليحظى باستقبال رئيس أكثر منه نائباً.

وعلا صوت ماكين عندما تعلق الأمر بروسيا وسوريا. لكنه كان في الواقع جنرالاً لا يملك جيشاً.

 وسعى إلى البقاء في مجلس الشيوخ أطول فترة ممكنة حتى لدى تشخيص اصابته بنوع من سرطان الدماغ شديد الخطورة.

لكنه ابتعد منذ كانون الأول عن مجلس الشيوخ وكان يتلقى العلاج في أريزونا، بينما استقبل في مزرعته الأصدقاء والزملاء الذين قدموا لوداعه بعيداً من وسائل الإعلام. وليلة وفاته، أعلنت عائلته أنه اختار التوقف عن تلقي العلاج.

وفي مذكراته التي نشرت في أيار تحت عنوان "الموجة التي لا تهدأ"، أبدى رغبته في أن يدفن في ولاية ميريلاند قرب صديقه القديم في البحرية تشاك لارسون.

ولماكين سبعة أولاد، أربعة منهم من زوجته الحالية سيندي وثلاثة من زواج سابق.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard