الكتابة أساس المهنة "لأن التلفزيون وحده لا يكفي" باتريك دارفور يخرج من صورته ويخطّ آثاراً لصنع الأحلام

14 تشرين الثاني 2013 | 00:46

يسعى باتريك بوافر دارفور الى الخروج من "صورته التلفزيونية". يريد ان يظهّر الكاتب في الصحافة وفي الادب والرواية. والرجل الذي قدم عشرة آلاف نشرة اخبار في 29 عاما ينفي عن طفولته حلم التلفزيون فيؤكد انه منذ البداية يريد ان يصبح روائيا. يتمسك بضرورة ترك آثار مكتوبة. يستعيد تجربته في الكتابة الصحافية ويحصي سنوات عمله فيها. يصف الكتابة بانها القاعدة واساس المهنة. ولا يرى في المقابل استدامة للمادة التلفزيونية ويقول ان "التلفزيون وحده لا يكفي". تسطع هذه الجملة حقيقة ثابتة في حياته. مقدم الاخبار الفرنسي الرافض لتشبيهه بالساعين الى الشهرة لا يبدو مكتفيا، فالناس لا يذكرون من العشرة آلاف نشرة الا آخر نشرة قدمها. لعله باحث عن شهرة ابعد، تطول اكثر في الزمن وتحفر اعمق في الاذهان. ومع ذلك ، فان غزارة انتاجه الروائي لا تفلح في التغلب على صورة النجم التلفزيوني المعروف بـــــــPPDA . فاطلالته الانيقة على بساطتها (جينز وقميص بيضاء) وقدرته على السيطرة على تعابيره وحركاته، وصوته العميق وكلماته المختارة بتأن تعيده دوما نجما الى مربع الشاشة الصغيرة، مع او من دون كتبه وآخرها ما قدمه في معرض الكتاب الفرنكوفوني "وحدها الآثار تصنع الاحلام" Seules les traces font rêver .

جمعية الصحافيين الفرنكوفونيين AFEJ التي شاركت في المعرض استقبلت بوافر دارفور الذي يزور لبنان للمرة العشرين منذ اربعين عاما وحاورت في جناحها الصحافي والكاتب والانسان.
- ان تكون نجم نشرة الثامنة في فرنسا لسنوات طويلة وان تجري حوارات ومقابلات، اليست تجربة يجدر التحدث عنها؟
- لم يكن التلفزيون حلم طفولتي بل الكتابة اذ كنت اطمح ان اصبح روائيا. ثم فزت بمسابقة "المراسل الخاص" في راديو فرانس انتر. عندها احببت كثيرا العمل الاذاعي ثم جاء التلفزيون بعدها. لكنني لم اكن يوما مثل بعض الناس الباحثين عن ربع ساعة من الشهرة كما يقول وارهول (فنان واعلامي اميركي) . كنت اريد ان امارس مهنتي وحسب. بدأت في التلفزيون كمراسل وكنت راضيا عما قمت به . بالصدفة طلب مني الحلول مكان مقدم لنشرة الاخبار وكنت في السادسة والعشرين ثم بقيت.
- لم تكن تحلم، لكنك اصبت بـ "فيروس التلفزيون" وها انت اليوم خارج الاطار التلفزيوني الذي احتللته لسنوات. ما تأثير ذلك عليك؟
- صحيح. دام هذا الفيروس طويلا. لقد قدمت النشرة لتسعة وعشرين عاما. قضيت ثماني سنوات في القناة الثانية واحدى وعشرين في الاولى. لكن تأليف الكتب اولا ساعدني، علما ان تجربتي الاولى في هذا المجال خضتها في السابعة عشرة من عمري، وبعدها اصدرت الكثير من الكتب. التلفزيون تلا الكتابة وكان اضافة عليها.
- هل ترى ان الكتابة تحقق التوازن؟
- كانت حياتي في البداية، وحسناتها ان آثارها تبقى. برامج التلفزيون تنسى لان هناك دوما اخرى جديدة تطغى على ما قبلها، بينما الكتب تستمر. قدمت عشرة آلاف نشرة اخبار ولا يحدثونني الا عن نشرة واحدة هي الاخيرة التي قدمتها.
- اذا تشجع الصحافيين على التأليف؟
- العمل التلفزيوني وحده لا يكفي. ارى ان الكتابة امر جيد في المطلق وهي القاعدة الاساسية للصحافة. يمكن الكتابة للمجلات واذا امكن الصحافي تأليف الكتب فذلك افضل . انا كتبت في مجلات متنوعة : اربع سنوات لــ Paris Match وثماني لــــــــ Le Journal du Dimanche واكتب اليوم في L’Hemicycle و La Plume.
- كيف تتعامل مع مسالة الوقت للقيام بهذا الكم من النشاطات؟
- لا انام كثيرا. هذا يكسبني وقتا . اعتقد ان من ينام ثماني ساعات يخسر اربعا. ثم اقوم بالاشياء بسرعة، خصوصا حين اركز على عمل ما.
- في السادسة عشرة نلت البكالوريا وفي السابعة عشرة اصبحت ابا!
- هذا ما سمح لي ان اكون في حالة طوارئ دائمة . اعتقد ان ذلك يعود الى اصابتي بمرض خطير هو نوع من سرطان الدم عندما كنت في الثانية عشرة. حينها رأيت في المصح الذي وضعت فيه للعلاج شبانا وشابات يموتون من حولي وعندما خرجت زادت رغباتي.
- لامست الموت، كيف أثر ذلك فيك؟
- الناجون من الموت يشتاقون اكثر الى الحياة ويطمعون اكثر بالاشياء. وهذا امر جيد. في البداية كنت اعيش نوعا من الاعاقة بسبب مرضي ثم اصبح هذا المرض حافزا لي ومحركا.
- تناولت حياتك الشخصية في مؤلفاتك . ان تكشف عالمك الداخلي قرار مهم . هل كان سهلا عليك ان تبسط حياتك هكذا للجمهور وتكشفها للجميع؟
- يكفي الا اشير الى الامور التي اريد الاحتفاظ بها لنفسي. انا لا اتحدث عن حياتي العاطفية مثلا، لان ذلك يمثل جزءا من حميمياتي. بالنسبة الى حياتي العائلية الجميع يعرف ان لدي اربعة اولاد وفقدت ثلاثة. اعير اهتماما لما يريدونه هم . لا اتكلم باسمهم اطلاقا ولا اربكهم بطرح امورهم الشخصية. ابنتي سولين تحدثت عنها عندما واجهت مشكلات صحية وعندما انتحرت في كتاب اسميته "لم تكن من هذا العالم" “Elle n’était pas d’ici” وكنت سعيدا لانني فعلت، لان القصص قيلت وكتبت ورسخت على الورق، وقد شعرت بسلام اكبر حيالها.
- هل هو نوع من العلاج النفسي؟
- يجب ألا نجد للادب فضائل لا يملكها . ان غايته الاساسية تكمن في التوجه الى القارئ والّا نكتب لانفسنا فقط. لا يمنع ان الكتابة تساعد.
- يبدو ان لديك ميلا الى الشرق ودرست لغات شرقية ايضا!
- صحيح انني درست في "مدرسة اللغات الشرقية"، لكنها لم تكن شرقية تماما، فقد تعلمت الروسية والبولونية. اليوم ارى الشرق ابعد من اوروبا وصولا الى الشرق الاقصى. هناك الشرق اللبناني، وزيارتي اليوم اليه تحمل الرقم عشرين. جئت للمرة الاولى منذ اربعين عاما وكنتم تعيشون الحرب وكأنها طبيعة ثانية . كانت الاشتباكات تدور حينها بين الفلسطينيين والجيش اللبناني ثم اندلعت الحرب الاهلية. لقد جئت مرارا في ظروف صعبة وغطيت الخطف والاغتيالات. انا معجب بقدرة الشعب اللبناني على المقاومة والتكيف.
- هل خضعت تغطيتك للحروب لقواعد معينة وماذا تقول حين ترى اليوم ميلا الى المشهدية في التغطية وفي اظهار الصور الصادمة؟
- اكره هذا ولا اجده حسنا. المشاهدون ليسوا مغفلين . المطلوب منا ان ندفعهم الى التفكير. منذ عام اتيت كسفير لليونيسيف واجريت ريبورتاجا عن اللاجئين السوريين . كان طبيعيا ان ننقل هذا الواقع لدفع الناس والجهات المانحة الى مساعدتهم وانا سعيد لانني كنت مفيدا لهم. المهم ان نمارس المهنة بدقة في حين ان بعضهم تنقصه البراعة.
- الا ترى في المشهد الاعلامي عموما تراجعا نحو صحافة استعراضية؟
- اعتقد ان ازدهار النشرات المستمرة عبر الاذاعة والتلفزيون على حد سواء، تدفع الى التكرار لملء الفراغ. وترى الصحافيين مجبرين على القول: "ابقوا معنا"، كأن امكان ابتعاد المستمع او المشاهد هي دراما في حد ذاتها . ونشعر اننا دخلنا في هذه الدوامة. يجب ان ننتبه وعلينا ان
نعيد النظر.
- ما رأيك في وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر للخبر؟
- هذه الوسائل تسمح بالتواصل وهذا جيد. ورغم كونها مصدرا للمعلومات علينا ان نكون حذرين. في اي حال، لم يعد سهلا تلقين الناس وتأطيرهم باتوا يعرفون اكثر وهم قادرون على التمييز.
- ماذا عن علاقتك مع الناس انت النجم المحبوب؟
- ينظرون الي كما انا واقول الاشياء غير المكشوفة بصدق، ما يساهم ربما في الحصول على تقديرهم. عليك ان تسأليهم هم وليس انا.
- يهاجمونك احيانا؟
- حتى حين يهاجمونني اقول ما اريد قوله. لقد لممت كثيرا من الاعداء في مهنتي لانني اعبر عما افكر به بصوت عال . قد لا يقدر البعض ذلك . المهم ان نكون انفسنا. ان نكون اوفياء للولد الذي كناه يوما.
- كنت وفيا له؟
- آه نعم. اعتقد ذلك. اعتقد ذلك.
- بعد هذا المسار الطويل هل تستحق الصحافة كل التضحيات؟
- هذه المهنة اخذت كثيرا من حياتي العائلية لكنها كانت تستحق لانها سمحت لي بلقاء اناس رائعين . فشكرا لمهنتي. شكرا لها.

 جمعية الصحافيين الفرنكوفونيين

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard